أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٩٩ - الحكمة ضالة المؤمن
عقولهم من أن جميع ما عليه غير المسلم من السير و التراتيب ينبغي أن يهجر، و تآليفهم في ذلك يجب أن تنبذ و لا تذكر، حتّى أنهم يشدّدون [٦] الإنكار على من يستحسن شيئا منها. و هذا على إطلاقه خطأ محض.
٥- الحكمة ضالّة المؤمن:
فإنّ الأمر إذا كان صادرا من غيرنا و كان صوابا موافقا للأدلّة لا سيّما إذا كنّا عليه و أخذ من أيدينا فلا وجه لإنكاره و إهماله، بل الواجب الحرص على استرجاعه و استعماله. و كلّ متمسّك بديانة و إن كان يرى غيره ضالا في ديانته، فذلك لا يمنعه من الاقتداء به فيما يستحسن في نفسه من أعماله المتعلّقة بالمصالح الدنيوية كما تفعله الأمّة الإفرنجيّة، فإنّهم ما زالوا يقتدون بغيرهم في كلّ ما يرونه حسنا من أعماله، حتّى بلغوا في استقامة نظام دنياهم إلى ما هو مشاهد. و شأن الناقد البصير تمييز الحقّ بمسبار النظر في الشيء المعروض عليه، قولا كان أو فعلا، فإن وجده صوابا قبله و اتّبعه، سواء كان صاحبه من أهل الحقّ أو من غيرهم، فليس بالرجال يعرف الحقّ بل بالحقّ تعرف الرّجال.
و الحكمة ضالّة المؤمن يأخذها حيث وجدها [١٥].
و لمّا أشار سلمان الفارسي [١٦]- رضي اللّه عنه- على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بأنّ عادة الفرس أن يطوّقوا مدنهم بخندق حين يحاصرهم العدوّ اتّقاء من هجومه عليهم، أخذ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- برأيه و حفر خندقا للمدينة في غزوة الأحزاب [١٧]، عمل فيه بنفسه ترغيبا
[١٥] حديث نبوي شريف.
[١٦] سلمان الفارسي: (م. ٣٦/ ٦٥٦) أصله من ماجوس اصبهان، عاش طويلا و أسلم على يد الرّسول و هو الذي دلّ المسلمين على حفر الخندق في غزوة الأحزاب، جعل أميرا على المدائن فأقام فيها إلى أن توفي. الزركلي، الأعلام، ط. ٢،III ، ١٦٩- ١٧٠.
[١٧] غزوة الأحزاب و تسمّى أيضا غزوة الخندق و هي التي وقع فيها حصار المدينة من قبل قبائل مكّة المتحالفين مع اليهود.