أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ١١٤ - استشهاد بالمنقول و المعقول على أن مشاركة أهل الحل و العقد لا تضيق من سعة تصرف الملك
و قد سلّم كلام السعد محشوّه كالفاضلين عصام الدين و عبد الحكيم، و قرّره الخيالي [٤٩] بقوله: «و قد يجاب أيضا».
و بالجملة فكلّهم معترف بصحّة كلام السعد في نفسه. و ظاهر حينئذ أحروية جواز الشورى في كليّات السياسة بالمعنى الذي أشرنا إليه، إذ هي دون الشورى في سائر التصرّفات. ثمّ إنّ الشورى على الوجه المذكور ليس فيها تضييق لدائرة خطّة الإمامة و عموم تصرّفها، باعتبار أنّ نظر أهل الحلّ و العقد بمنزلة نظر الإمام، و مراعاة كونه مظهرا له لاستبداده بتمشيته و إدارته، مع ما يستبدّ به من التصرّفات التي لا تقتضي المشاركة، كإجراء الخلطة السياسية و المتجرية مع الأجانب، و نصب أرباب الخطط و تأخيرهم، و تنفيذ سائر الأحكام، و نحو ذلك من التصرّفات التي هي محمل وحدة الأمر.
و هاك شاهدا آخر من كلام الإمام ابن العربي [٥٠] فإنّه قال في المغارم التي تؤخذ من النّاس عند فراغ بيت المال: «إنّها تؤخذ جهرا لا سرا، و تنفق بالعدل لا بالاستيثار، و برأي الجماعة لا بالاستبداد». انتهى.
و لزيادة البيان نستوضح ذلك بمثال: و هو أنّ مالك البستان الكبير- مثلا- لا يستغني في [١٧] إقامته و تدبير شجره عن الاستعانة بأعوان يكون لهم مزيد معرفة بأحوال الشجر و ما يصلحه أو يفسده. فإذا اتّفق أنّ ربّ البستان أراد قطع شيء من فروع شجره لما رأى في ذلك من تقوية الأصول و تنمية ثمارها فلم يوافقه أعوانه على ذلك، علما منهم- بمقتضى قواعد الفلاحة- أن القطع في ذلك الوقت ممّا ينشأ عنه موت الشجرة من أصلها، فتعطيل إدارة المالك في ذلك لا يعدّ تضييقا لسعة نظره، و عموم تصرّفه في بستانه. و قد يكون مستند الأعوان في تعطيل إرادته أمرا شرعيا، كما إذا أراد بيع الثمرة قبل بدو صلاحها- مثلا فأشاروا عليه بأنّ ذلك لا يرضاه خالق الشجر الذي هو
[٤٩] عصام الدين الاسفرائني و عبد الحكيم السياكلوتي و الخيالي هم شارحو شرح العقائد للسعد.
أنظر: دائرة المعارف الإسلامية، ط.I ،IV ، صص ٦٣٤- ٦٣٧.
[٥٠] أنظر عنه أعلاه: تعليق (٣٤).