أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٣٥ - الأسباب الداعية للتأليف
بالضرائب، ممّا جعل بعض المواطنين يحرقون زياتينهم حتّى لا يرغموا على دفع الضرائب المجحفة التي ليس لهم قدرة على تسديدها [١٨]، فتح الباب على مصراعيه للدول الأوروبية بمنح رعاياها شتّى الرخص و الامتيازات المتعلّقة بالمشاريع الاقتصادية، كاستغلال مناجم الرخام و الحديد و الرصاص و إقامة طرق المواصلات و سكك الحديد و احتكار صيد المرجان و فتح البنوك و استجلاب ماء زغوان ... [١٩].
و رغم ما استطاع مصطفى خزنة دار أن يهرّب من مال- هو و صنائعه- إلى أوروبا فإنّ ديون البلاد التونسية سنة ١٨٦٠ بلغت تسع عشرة مليونا ريالا: أحد عشر مليونا فرنكا أي ما يساوي دخل سنة عادية من الميزانية التونسية. و أمكن له أن يسدّد جلّ هذا الدين بما اغتصبه من مجوهرات عائلة محمّد باي المتوفّى سنة ١٨٥٩.
لكن اعتلاء الصادق باي العرش مكّن الوزير خزنة دار من أن يستحوذ على عقله، فبعث الجيش و الأسطول من جديد على غرار ما كانا عليه في عهد أحمد باي، و بعث هديّة إلى الآستانة قدرها ٣ ملايين فرنكا بمناسبة اعتلاء الصادق باي العرش و بنى قصورا لقنصلي فرنسا و أنجلترا بما قدره مليوني فرنك و شرع في استجلاب ماء زغوان بما كلّف الميزانية ١٢ مليون فرنك فلمّا كانت سنة ١٨٦٢ بلغ الدين ٢٨ مليون فرنك.
[١٨] في آخر عهد أحمد باي أصبحت المساحات المزروعة ٠٠٠. ١٥٠ هكتارا بعد أن كانت تقارب المليون في أوائل عهده.
«و ازداد بذلك نقصان الفلاحة حتّى كادت تنقطع و بقيت الهناشر مرعى السوائم و مبيت الوحوش، و تفاقم الأمر، و عيل الصبر و ضعفت الطاقة و صارت أزمّة الأعشار تأتي في البلدان و أكثر الهناشر مكتوب اسمه مقرونا بلفظ «أبيض» كناية عن عدم البذر ... و تذكّر الناس بهذا الحال حديث خرافة، و هو أن الفلّاح في آخر الزمان يمرّ بالمحراث فيضربه برجله و يقول له: «يا سبب فقري».
[١٩] قانياج: أصول الحماية، ص ص ٦١- ٦٨.