نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٨٩ - عود إلى كلام أهل الأندلس
| صيّر فؤادك للمحبوب منزلة | سمّ الخياط مجال للمحبّين | |
| ولا تسامح بغيضا في معاشرة | فقلّما تسع الدنيا بغيضين |
وأخذه من قول الخليل «ما تضايق سمّ الخياط بمتحابّين ، ولا اتّسعت الدنيا لمتباغضين»[١].
وكان الخليل على نمرقة صغيرة ، والمجلس متضايق ، فدخل عليه بعض أصحابه ، فرحّب به وأجلسه معه على النمرقة ، فقال له الرجل : إنها لا تسعنا ، فقال ما ذكر.
وقال ابن بسام أيضا : أمر الحاجب المنذر بن يحيى التّجيبي ، صاحب سرقسطة ، بعرض بعض الجند في بعض الأيام ، ورئيسهم مملوك له رومي يقال له خيار في نهاية الجمال ، فجعل ينفخ في القرن ليجتمع أصحابه على عادة لهم في ذلك ، فقال ابن هند الداني [٢] فيه ارتجالا : [الطويل]
| أعن بابل أجفان عينيك تنفث | ومن قوم موسى أنت للعهد تنكث [٣] | |
| أفي الحقّ أن تحكي سرافيل نافخا | وأمكث في رمس الصّدود وألبث | |
| عساك ، نبيّ الحسن ، تأتي بآية | فتنفخ في ميت الصّدود فيبعث |
قال : وكان بقرطبة غلام وسيم ، فمرّ عليه ابن فرج الجيّاني ، ومعه صاحب له ، فقال صاحبه : إنه لصبيح لو لا صفرة فيه ، فقال ابن فرج ارتجالا : [البسيط]
| قالوا : به صفرة عابت محاسنه | فقلت : ما ذاك من عيب به نزلا | |
| عيناه تطلب في أوتار من قتلت | فلست تلقاه إلّا خائفا وجلا |
قال : وكان يوما مع لمّة من أهل الأدب في مجلس أنس ، فاحتاج رب المنزل إلى دينار ، فوجّه إلى السوق ، فدخل به عليهم غلام من الصيارف في نهاية الجمال ، فرمى بالدينار إليهم من فيه تماجنا ، فقال ابن فرج : [الكامل]
| أبصرت دينارا بكفّ مهفهف | يزهى به من كثرة الإعجاب | |
| أوما به من فيه ثم رمى به | فكأنه بدر رمى بشهاب [٤] |
قال [٥] : وخرج الأديب أبو الحسن بن حصن الإشبيلي إلى وادي قرطبة في نزهة ، فتذكّر إشبيلية ، فقال بديها : [المتقارب]
[١] في ه : «بمتباغضين».
[٢] في ب : «ابن هندو».
[٣] تنفث : تسحر.
[٤] أوما : أشار وأصله أومأ ، فخفف الهمز.
[٥] انظر بدائع البداءة ج ٢ ص ١٢٤.