نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٦٢ - أبو الحسن علي بن جابر الدباج الإشبيلي
وقيل : إنه خاطب بهما ابن عبّاد ملك إشبيلية وقد ماتت له بنت وولد له ابن ، وبعضهم ينسبهما لغيره.
ودخل الأديب أبو القاسم بن العطار الإشبيلي حمّاما بإشبيلية ، فجلس إلى جانبه وسيم خمريّ العينين ، فافتتن بالنظر إليه والمحادثة إلى أن قام وقعد في مكانه أسود ، فقال : [الطويل]
| مضت جنّة المأوى وجاءت جهنّم | فها أنا أشقى بعد ما كنت أنعم | |
| وما كان إلّا الشمس حان غروبها | فأعقبها جنح من الليل مظلم |
وقال الأديب المصنّف أبو عمرو عثمان بن علي بن عثمان بن الإمام الإشبيلي ، صاحب «سمط الجمان» : [الطويل]
| عذيري من الأيام لا درّ درّها | لقد حمّلتني فوق ما كنت أرهب | |
| وقد كنت جلدا ما ينهنهني النوى | ولا يستبيني الحادث المتغلّب | |
| يقاسي صروف الدهر مني مع الصّبا | جذيل حكاك أو عذيق مرجّب [١] | |
| وكنت إذا ما الخطب مدّ جناحه | عليّ تراني تحته أتقلّب | |
| فقد صرت خفّاق الجناح يروعني | غراب إذا أبصرته وهو ينعب | |
| وأحسب من ألقى حبيبا مودعا | وأنّ بلاد الله طرّا محصّب |
وقد امتعض للآداب في صدر دولة بني عبد المؤمن ، فجمع شمل الفضلاء الذين اشتملت عليهم المائة السابعة إلى مبلغ سنّه منها في ذلك الأوان ، واستولى بذلك على خصل الرهان ، وانفرد بهذه الفضيلة التي لم ينفرد بها إلّا فلان وفلان.
وكان الأديب العالم الصالح أبو الحسن علي بن جابر الدباج الإشبيلي إماما في فنون العربية ، ولكن شهر بإقراء كتب الآداب كالكامل للمبرد ونوادر القالي وما أشبه ذلك ، وكان ـ مع زهده ـ فيه لوذعيّة ، ومن ظرفه أن أحد تلامذته قال لغلام جميل الصورة : بالله أعطني قبلة تمسك رمقي ، فشكاه إلى الشيخ وقال له : يا سيدي ، قال لي هذا كذا ، فقال له الشيخ : وأعطيته ما طلب؟ فقال : لا ، فقال له : ما هذه الثقالة؟ ما كفاك أن حرمته حتى تشتكي به أيضا؟ وحسبك من جلالة قدره أنّ أهل إشبيلية رضوا به إماما في جامع العديس [٢].
[١] جذيل حكاك : عبارة تقال لمن يستشفى برأيه. والعذيق : مصغر عذيق ، وهو اللبق الحاذق. والمرجّب : المعظّم. وورد فيما يعرف بحديث القيفة «أنا جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب». والبيت مأخوذ منه.
[٢] في ب : «العدبس».