نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٠٢ - قصة من رقة طباع الأندلسيين
ومن لطف أهل الأندلس ورقّة طباعهم ما حكاه أبو عمرو بن سالم المالقي قال : كنت جالسا بمنزلي بمالقة ، فهاجت نفسي أن أخرج إلى الجبّانة ، وكان يوما شديد الحرّ ، فراودتها على القعود ، فلم تمكني من القعود ، فمشيت حتى انتهيب إلى مسجد يعرف برابطة الغبار ، وعنده الخطيب أبو محمد عبد الوهاب بن علي المالقي ، فقال لي : إني كنت أدعو الله تعالى أن يأتيني بك ، وقد فعل ، فالحمد لله ، فأخبرته بما كان مني ، ثم جلست عنده ، فقال : أنشدني ، فأنشدته لبعض الأندلسيين : [الكامل]
| غصبوا الصباح فقسّموه خدودا | واستوعبوا قضب الأراك قدودا | |
| ورأوا حصا الياقوت دون نحورهم | فتقلّدوا شهب النجوم عقودا | |
| لم يكفهم حدّ الأسنّة والظّبا | حتى استعاروا أعينا وخدودا [١] |
فصاح الشيخ ، وأغمي عليه ، وتصبّب عرقا ، ثم أفاق بعد ساعة ، وقال : يا بني ، اعذرني فشيئان يقهراني ، ولا أملك نفسي عندهما : النظر إلى الوجه الحسن ، وسماع الشعر المطبوع ، وانتهى [٢].
وستأتي هذه الأبيات في هذا الباب بأتمّ من هذا.
وعلى كل حال فهي لأهل الأندلس ، لا لابن دريد كما ذكره بعضهم ، وسيأتي تسمية صاحبها الأندلسي ، كما في كتاب «المغرب» لابن سعيد العنسي المشهور ، رحمه الله تعالى : وقال بعض الأدباء ليحيى الجزار ، وهو يبيع لحم ضأن : [المنسرح]
لحم إناث الكباش مهزول
فقال يحيى :
يقول للمشترين مه زولوا
وقال التطيلي الأعمى في وصف أسد رخام يرمي بالماء على بحيرة [٣] : [مجزوء الكامل]
| أسد ولو أنّي أنا | قشه الحساب لقلت صخره |
[١] الظّبا : جمع ظبة ، وهي حد السيف والسنان.
[٢] في ب : «انتهى» بإسقاط الواو.
[٣] انظر ديوان التطيلي ص ٢٤٩.