نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٦٩ - بين أبي عامر والرمادي
فلمّا تمكّن منه المأمون سجنه ، فكتب إلى ابن هود من أبيات : [الطويل]
| أيا راكب الوجناء بلّغ تحيّة | أمير جذام من أسير مقيّد | |
| ولمّا دهتني الحادثات ولم أجد | لها وزرا أقبلت نحوك أعتدي [١] | |
| ومثلك من يعدي على كلّ حادث | رمى بسهام للردى لم ترصد [٢] | |
| فعلّك أن تخلو بفكرك ساعة | لتنقذني من طول همّ مجدّد | |
| وها أنا في بطن الثرى وهو حامل | فيسّر على رقبى الشفاعة مولدي | |
| حنانيك ألفا بعد ألف فإنني | جعلتك بعد الله أعظم مقصدي | |
| وأنت الذي يدري إذا رام حاجة | تضلّ بها الآراء من حيث يهتدي |
فرقّ له ابن هود ، وتحيّل حتى خلّصه بشفاعته ، فلمّا قدم عليه أنشده : [المتقارب]
| حياتي موهوبة من علاكا | وكيف أرى عادلا عن ذراكا [٣] | |
| ولو لم يكن لك من نعمة | عليّ وأصبحت أبغي سواكا | |
| لناديت في الأرض هل مسعف | مجيب فلم يصغ إلّا نداكا |
فطرب ابن هود ، وخلع عليه ثوب وزارته ، وجعله من أعلام سلطنته وإمارته.
وقال المنصور بن أبي عامر للشاعر المشهور أبي عمر يوسف الرمادي : كيف ترى حالك معي؟ فقال : فوق قدري ودون قدرك! فأطرق المنصور كالغضبان ، فانسلّ الرمادي وخرج وقد ندم على ما بدر منه ، وجعل يقول : أخطأت ، لا والله ما يفلح مع الملوك من يعاملهم بالحقّ ، ما كان ضرّني لو قلت له : إني بلغت السماء ، وتمنطقت بالجوزاء ، وأنشد [٤] : [الطويل]
| متى يأت هذا الموت لا يلف حاجة | لنفسي إلّا قد قضيت قضاءها |
لا حول ولا قوة إلّا بالله. ولمّا خرج كان في المجلس من يحسده على مكانه من المنصور ، فوجد فرصة فقال : وصل الله لمولانا الظفر والسعد! إنّ هذا الصنف صنف زور وهذيان لا يشكرون نعمة ، ولا يرعون إلّا ولا ذمّة ، كلاب من غلب ، وأصحاب من أخصب ، وأعداء من أجدب ، وحسبك منهم أنّ الله جلّ جلاله يقول فيهم (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤))
[١] في ه : «أغتدي». والوزر : الملجأ. وأعتدي : أراد أطلب النصرة.
[٢] يعدي : ينصر.
[٣] عادلا : مائلا.
[٤] في ب : «وأنشدته».