نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٣٥ - من ظرف أهل الأندلس
حتى إنه دفع مرة في موكب النصارى ، فصرع منهم وقتل ، وظهر منه ما أعجبت به نفسه ، فقال لشخص من خواصّه عالم بأمور الحرب : كيف رأيت؟ فقال : لو رآك السلطان لزاد فيما لك في بيت المال ، وأعلى مرتبتك ، أمن يكون رأس جيش يقدم هذا الإقدام ، ويتعرّض بهلاك نفسه إلى هلاك من معه ، فقال له : دعني فإني لا أموت مرتين ، وإذا متّ أنا فلا عاش من بعدي.
ومن حكاياتهم في الظرف [١] : أنّ القاضي أبا عبد الله محمد بن عيسى من بني يحيى بن يحيى خرج إلى حضور جنازة ، وكان لرجل من إخوانه منزل بقرب مقبرة قريش ، فعزم عليه في الميل إليه ، فنزل وأحضر له طعاما ، وغنّت جارية : [الكامل]
| طابت بطيب لثاتك الأقداح | وزها بحمرة وجهك التفاح [٢] | |
| وإذا الربيع تنسّمت أرواحه | نمّت بعرف نسيمك الأرواح | |
| وإذا الحنادس ألبست ظلماءها | فضياء وجهك في الدّجى مصباح [٣] |
فكتبها القاضي طربا على ظهر يده.
قال الراوي : فلقد رأيته يكبّر على الجنازة والأبيات على ظهر يده.
ومن حكاياتهم في البلاغة : ما ذكره في «المطمح» أن أبا الوليد بن عيال [٤] لمّا انصرف من الحجّ اجتمع مع أبي الطيب في مسجد عمرو بن العاص بمصر ، ففاوضه قليلا ، ثم قال له : أنشدني لمليح الأندلس ، يعني ابن عبد ربه ، فأنشده : [الكامل]
| يا لؤلؤا يسبي العقول أنيقا | ورشا بتعذيب القلوب رفيقا | |
| ما إن رأيت ولا سمعت بمثله | درّا يعود من الحياء عقيقا | |
| وإذا نظرت إلى محاسن وجهه | أبصرت وجهك في سناه غريقا [٥] | |
| يا من تقطّع خصره من رقّة | ما بال قلبك لا يكون رقيقا |
فلما كمل إنشادها استعادها ، ثم صفّق بيديه وقال : يا ابن عبد ربه ، لقد تأتيك العراق حبوا ، انتهى.
[١] انظر الجذوة ص ٧٠.
[٢] في ب : «وزهت بحمرة وجهك التفاح».
[٣] الحنادس : جمع حندس ، وهو الليل الشديد الظلمة.
[٤] في ج : «أن الوليد بن عقال» وفي المطمح «أن الوليد بن عباد».
[٥] سناه : ضوؤه.