نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٦٩ - مثل من سرعة بديهة الأندلسيين
وقال الوزير محمد بن عبد الرحمن بن هانىء : [السريع]
| يا حرقة البين كويت الحشا | حتى أذبت القلب في أضلعه | |
| أذكيت فيه النار حتى غدا | ينساب ذاك الذّوب من مدمعه | |
| يا سؤل هذا القلب حتى متى | يؤسى برشف الريق من منبعه | |
| فإنّ في الشهد شفاء الورى | لا سيما إن مصّ من مكرعه | |
| والله يدني منكم عاجلا | ويبلغ القلب إلى مطمعه |
ولو لم يكن للأندلسيين غير كتاب «شذور الذهب» لكفاهم دليلا على البلاغة ، ومؤلّفه هو علي بن موسى بن علي بن محمد بن خلف أبو الحسن الأنصاري ، الجيّاني ، نزيل فاس ، وولي خطابتها ، ولم ينظم أحد في الكيمياء مثل نظمه بلاغة معان وفصاحة ألفاظ ، وعذوبة تراكيب ، حتى قيل فيه : إن لم يعلّمك صناعة الذهب [١] علّمك الأدب. وفي عبارة بعضهم : إن فاتك ذهبه ، لم يفتك أدبه. وقيل فيه : إنه شاعر الحكماء ، وحكيم الشعراء. وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة.
ولنذكر هنا نبذة من سرعة بديهة أهل الأندلس ، وإن مرّت من ذلك جملة ، وستأتي أيضا زيادة على الجميع ، فنقول :
قال في «بدائع البداءة» ما صورته [٢] : روى عبد الجبار بن حمديس الصقلي قال : صنع عبد الجليل بن وهبون المرسي الشاعر لنا نزهة بوادي إشبيلية ، فأقمنا فيه يومنا ، فلما دنت الشمس للغروب هبّ نسيم ضعيف غضّن وجه الماء ، فقلت للجماعة : أجيزوا : [الرمل]
حاكت الريح من الماء زرد
فأجازه كلّ منهم بما تيسّر له ، فقال له أبو تمام غالب بن رباح الحجاج كيف قلت يا أبا محمد؟ فأعدت القسيم له ، فقال :
أيّ درع لقتال لو جمد
وقد ذكرنا في هذا الكتاب ما يخالف هذا فليراجع في محلّه.
ثم قال صاحب «بدائع البداءة» بعد ما سبق ما صورته [٣] : وقد نقله ابن حمديس إلى غير هذا الوصف ، فقال : [الرمل]
| نثر الجوّ على الترب برد | أيّ درّ لنحور لو جمد |
[١] في ه : «صنعة الذهب».
[٢] بدائع البداءة ج ١ ص ٦٣.
[٣] انظر بدائع البداءة ج ١ ص ٦٤ ـ ٦٥.