نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٨٥ - عود إلى كلام أهل الأندلس
| أرى بدر السماء يلوح حينا | فيبدو ثم يلتحف السّحابا [١] | |
| وذاك لأنه لمّا تبدّى | وأبصر وجهك استحيا فغابا | |
| مقال لو نمى عنّي إليه | لراجعني بتصديقي جوابا |
وكان صاعد اللغوي [٢] صاحب كتاب «القصوص» ـ وقد تكرّر ذكره في هذا الكتاب ـ كثيرا ما يمدح بلاد العراق بمجلس المنصور بن أبي عامر ، ويصفها ، ويقرظها ، فكتب الوزير أبو مروان عبد الملك بن شهيد والد الوزير أبي عامر أحمد بن شهيد صاحب الغرائب ، وقد تقدّم بعض كلامه قريبا ، إلى المنصور في يوم برد ـ وكان أخصّ وزرائه به ـ بهذه الأبيات : [المنسرح]
| أما ترى برد يومنا هذا | صيّرنا للكمون أفذاذا | |
| قد فطرت صحّة الكبود به | حتى لكادت تعود أفلاذا | |
| فادع بنا للشّمول مصطليا | نغذّ سيرا إليك إغذاذا [٣] | |
| وادع المسمّى بها وصاحبه | تدع نبيلا وتدع أستاذا | |
| ولا تبالي أبا العلاء زها | بخمر قطربّل وكلواذا | |
| ما دام من أرملاط مشربنا | دع دير عمّي وطيز ناباذا |
وكان المنصور قد عزم ذلك اليوم على الانفراد بالحرم ، فأمر بإحضار من جرى رسمه من الوزراء والندماء ، وأحضر ابن شهيد في محفّة لنقرس [٤] كان يعتاده ، وأخذوا في شأنهم ، فمرّ لهم يوم لم يشهدوا مثله ، ووقت لم يعهدوا نظيره ، وطما الطرب وسما بهم ، حتى تهايج القوم ورقصوا ، وجعلوا يرقصون بالنوبة ، حتى انتهى الدور إلى ابن شهيد ، فأقامه الوزير أبو عبد الله بن عباس ، فجعل يرقص وهو متوكئ عليه ، ويرتجل ويومئ إلى المنصور ، وقد غلب عليه السكر [٥] : [الرمل]
| هاك شيخا قاده عذر لكا | قام في رقصته مستهلكا | |
| لم يطق يرقصها مستثبتا | فانثنى يرقصها مستمسكا |
[١] يلتحف السحاب : يتخذها لحافا ؛ غطاء.
[٢] انظر الذخيرة ٤ / ١ : ١٦.
[٣] نغذّ السير : نسرع.
[٤] النقرس : مرض مؤلم يصيب مفاصل قدم الرجل وخصوصا إبهامها.
[٥] في ه : «وقد غلبه السكر».