نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٩ - رسالة الشقندي في فضل الأندلس والأندلسيين
| إذا ولد المولود منّا تهلّلت | له الأرض واهتزّت إليه المنابر |
وقد نشأ في مدّتهم من الفضلاء والشعراء ما اشتهر في الآفاق ، وصار أثبت في صحائف [١] الأيام ، من الأطواق في أعناق الحمام : [الطويل]
| وسار مسير الشمس في كلّ بلدة | وهبّ هبوب الريح في البرّ والبحر |
ولم تزل ملوكهم في الاتساق كما قيل : [البسيط]
| إنّ الخلافة فيكم لم تزل نسقا | كالعقد منظومة فيه فرائده [٢] |
إلى أن حكم الله بنثر سلكهم [٣] ، وذهاب ملكهم ، فذهبوا وذهبت أخبارهم ، ودرسوا ودرست آثارهم : [البسيط]
| جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم | بعد الممات جمال الكتب والسّير |
فكم مكرمة أنالوها ، وكم عثرة أقالوها : [الرجز]
| وإنّما المرء حديث بعده | فكن حديثا حسنا لمن وعى |
وكان من حسنات ملكهم المنصور بن أبي عامر ، وما أدراك الذي بلغ في بلاد النصارى غازيا إلى البحر الأخضر ، ولم يترك أسيرا في بلادهم من المسلمين ، ولم يبرح في جيش الهرقل وعزمة الإسكندر ، ولمّا قضى نحبه [٤] كتب على قبره : [الكامل]
| آثاره تنبيك عن أوصافه | حتى كأنّك بالعيان تراه | |
| تالله لا يأتي الزمان بمثله | أبدا ولا يحمي الثغور سواه |
وقد قيل فيه من الأمداح ، وألّف له من الكتب ، ما سمعت وعلمت ، حتى قصد من بغداد ، وعمّ خيره وشرّه أقاصي البلاد ، ولمّا ثار بعد انتثار [٥] هذا النظام ملوك الطوائف وتفرّقوا في البلاد ، وكان [٦] في تفرّقهم اجتماع على النعم لفضلاء العباد ، إذ نفّقوا سوق العلوم ، وتباروا في المثوبة على المنثور والمنظوم ، فما كان أعظم مباهاتهم إلّا قول : العالم الفلاني عند
[١] في ه : «أثبت إلى صحائف الأيام».
[٢] فرائده : جمع فريدة ، وهي الحب من فضة وغيرها يفصل بين حبات الذهب واللؤلؤ في العقد. وكذلك الفريدة : الجوهرة النفيسة.
[٣] نثر سلكهم : تفرق شملهم.
[٤] قضى نحبه : مات.
[٥] في ج : «بعد انتشار» وهو تصحيف.
[٦] في ب : «كان في ...» بإسقاط الواو.