نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣١ - رسالة الشقندي في فضل الأندلس والأندلسيين
| بنتم وبنّا فما ابتلّت جوانحنا | شوقا إليكم ولا جفّت مآقينا | |
| حالت لفقدكم أيامنا فغدت | سودا وكانت بكم بيضا ليالينا [١] |
فلمّا قرىء عليه هذان البيتان قال للقارىء : يطلب منّا جواري سودا وبيضا ، قال : لا يا مولانا ، ما أراد إلّا أنّ ليله كان بقرب أمير المسلمين نهارا ؛ لأنّ ليالي السرور بيض ، فعاد نهاره ببعده ليلا لأنّ أيام الحزن ليال سود [٢] ، فقال : والله جيد ، أكتب له في جوابه : إنّ دموعنا تجري عليه ، ورؤوسنا توجعنا من بعده ، فليت العباس بن الأحنف قد عاش حتى يتعلم من هذا الفاضل رقة الشوق : [الطويل]
| ولا تنكرن مهما رأيت مقدّما | على حمر بغلا فثمّ تناسب |
فاسكتوا ، فلو لا هذه الدولة ، لما كان لكم على الناس صولة : [الوافر]
| وإنّ الورد يقطف من قتاد | وإنّ النار تقبس من رماد [٣] |
وإنك إن تعرّضت للمفاضلة بالعلماء فأخبرني : هل لكم في الفقه مثل عبد الملك بن حبيب الذي يعمل بأقواله إلى الآن ، ومثل أبي الوليد الباجي ، ومثل أبي بكر بن العربي ، ومثل أبي الوليد بن رشد الأكبر ، ومثل أبي الوليد بن رشد الأصغر؟ وهو ابن ابن الأكبر ، نجوم الإسلام ، ومصابيح شريعة محمد ٧ ، وهل لكم في الحفظ مثل أبي محمد بن حزم الذي زهد في الوزارة والمال ومال إلى رتبة العلم ، ورآها فوق كل رتبة ، وقال وقد احترقت [٤] كتبه : [الطويل]
| دعوني من إحراق رقّ وكاغد | وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري [٥] | |
| فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي | تضمّنه القرطاس ، إذ هو في صدري |
ومثل أبي عمر بن عبد البر صاحب «الاستيعاب» [٦] و «التمهيد» ومثل أبي بكر بن الجد حافظ الأندلس في هذه الدولة ، وهل لكم في حفّاظ اللغة كابن سيده صاحب كتاب «المحكم»
[١] حالت : تغيرت ، وتحولت.
[٢] في أ : «لأن ليالي الحزن ليالي سود».
[٣] القتاد : نبات ذو شوك.
[٤] في ب ، ه : «وقال وقد أحرقت كتبه».
[٥] الرق : جلد كان يستعمل للكتابة. والكاغد : القرطاس.
[٦] الاستيعاب في أسماء الأصحاب لابن عبد البر ، وقد طبع على هامش كتاب الإصابة في تمييز الصحابة بدار الفكر ببيروت. وورد في ب : «الاستذكار».