نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٥٤ - جزيرة ميورقة
تسفّر لبلاد المشرق ، وبالحصر التي تغلّف [١] بها الحيطان المبهجة للبصر ، إلى غير ذلك ممّا يطول ذكره ، ولم تخل من علماء وشعراء وأبطال.
وأما بلنسية فإنها لكثرة بساتينها تعرف بمطيب الأندلس ، ورصافتها من أحسن متفرّجات الأرض ، وفيها البحيرة المشهورة الكثيرة الضوء والرونق ، ويقال إنه لمواجهة الشمس لتلك البحيرة يكثر ضوء بلنسية إذ هي موصوفة بذلك ، وممّا خصّت به النسيج البلنسي الذي يسفّر لأقطار المغرب ، ولم تخل من علماء ولا شعراء ، ولا فرسان يكابدون مضايقة الأعداء [٢] ، ويتجرعون فيها النعماء ممزوجة بالضرّاء ، وأهلها أصلح الناس مذهبا ، وأمتنهم دينا ، وأحسنهم صحبة ، وأرفقهم بالغريب.
وأما جزيرة ميورقة فمن أخصب بلاد الله تعالى أرجاء ، وأكثرها زرعا ورزقا وماشية ، وهي على انقطاعها من البلاد مستغنية عنها ، يصل فاضل خيرها إلى غيرها ، إذ فيها من الحضارة والتمكّن والتمصّر وعظم البادية ما يغنيها ، وفيها من الفوائد ما فيها ، ولها فضلاء وأبطال اقتصروا على حمايتها من الأعداء المحدقة بها : [الكامل]
| من كلّ من جعل الحسام خليله | لا يبتغي أبدا سواه معينا [٣] |
هذا ـ زان الله تعالى فضلك بالإنصاف ، وشرّف كرمك بالاعتراف! ـ ما حضرني الآن في فضل جزيرة الأندلس ، ولم أذكر من بلادها إلّا ما كلّ بلد منها مملكة مستقلّة يليها ملوك بني عبد المؤمن على انفراد ، وغيرها في حكم التبع.
وأمّا علماؤها وشعراؤها فإني لم أعرض منهم إلّا لمن هو في الشهرة كالصباح ، وفي مسير الذكر كمسير الرياح ، وأنا أحكي لك حكاية جرت لي في مجلس الرئيس الفقيه [٤] أبي بكر بن زهر ، وذلك أني كنت يوما بين يديه ، فدخل علينا رجل عجميّ من فضلاء خراسان ، وكان ابن زهر يكرمه ، فقلت له : ما تقول في علماء الأندلس وكتّابهم وشعرائهم؟ فقال : كبّرت ، فلم أفهم مقصده ، واستبردت ما أتى به ، وفهم مني أبو بكر بن زهر أني نظرته نظر المستبرد المنكر ، فقال لي : أقرأت شعر المتنبي؟ قلت : نعم ، وحفظت جميعه ، قال : فعلى نفسك إذن فلتنكر ، وخاطرك بقلّة الفهم فلتتّهم ، فذكرني بقول المتنبي : [الكامل]
[١] في ه «التي تقلف».
[٢] في ب ، ه «مصاقبة الأعداء». وفي بعض النسخ «مصاففة» وفي أخرى «مصادمة». وقد اخترنا ما في أ، ب.
[٣] الخليل : الصديق المخلص.
[٤] في ب : «الفقيه الرئيس».