نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٥٢ - مالقة
من طيب النفحة ونضارة النعيم ، فلمّا حان الانفصال قال أبو جعفر [١] : [الطويل]
| رعى الله ليلا لم يرع بمذمّم | عشيّة وارانا بحور مؤمّل [٢] | |
| وقد خفقت من نحو نجد أريجة | إذا نفحت هبّت بريّا القرنفل | |
| وغرّد قمريّ على الدّوح وانثنى | قضيب من الريحان من فوق جدول [٣] | |
| تريد الروض مسرورا بما قد بدا له | عناق وضمّ وارتشاف مقبّل |
وكتبه إليها بعد الافتراق ، لتجاوبه على عادتها في ذلك ، فكتبت له ما لا يخفى فيه قيمتهأ : [الطويل]
| لعمرك ما سرّ الرياض بوصلنا | ولكنّه أبدى لنا الغلّ والحسد | |
| ولا صفّق النهر ارتياحا لقربنا | ولا صدح القمريّ إلّا بما وجد | |
| فلا تحسن الظّنّ الذي أنت أهله | فما هو في كلّ المواطن بالرّشد | |
| فما خلت هذا الأفق أبدى نجومه | لأمر سوى كيما تكون لنا رصد |
وأما مالقة فإنها قد جمعت بين منظر البحر والبرّ بالكروم المتّصلة التي لا تكاد ترى فيها فرجة لموضع غامر ، والبروج التي شابهت نجوم السماء ، كثرة عدد وبهجة ضياء ، وتخلّل الوادي الزائر لها في فصلي الشتاء والربيع في سرر بطحائها ، وتوشيحه لخصور أرجائها [٤] ، وممّا اختصّت به من بين سائر البلاد التين الربي المنسوب إليها ؛ لأنّ اسمها في القديم ربة ، ولقد أخبرت أنه يباع في بغداد على جهة الاستطراف ، وأما ما يسفّر منه المسلمون والنصارى في المراكب البحرية فأكثر من أن يعبر عنه بما يحصره ، ولقد اجتزت بها مرّة ، وأخذت على طريق الساحل من سهيل إلى أن بلغت إلى بليش قدر ثلاثة أيام متعجّبا فيما حوته هذه المسافة من شجر التين ، وإنّ بعضها ليجتني جميعها الطفل الصغير من لزوقها بالأرض ، وقد حوت ما يتعب الجماعة كثرة ، وتين بليش هو الذي قيل فيه لبربري : كيف رأيته؟ قال : لا تسألني عنه ، وصبّ في حلقي بالقفة ، وهو لعمر الله معذور ؛ لأنه نعمة حرمت بلاده منها ، وقد خصّت بطيب الشراب الحلال والحرام ، حتى سار المثل بالشراب المالقي ، وقيل لأحد الخلعاء [٥] ،
[١] سيورد المقري في النفح أخبار أبي جعفر بن سعيد وحفصة بتفصيل في كتابه هذا.
[٢] ففي ه : «رعانا ووارانا بحور مؤمل».
[٣] قمريّ : نوع من الحمام حسن الصوت.
[٤] في أ«لحضور أرجائها».
[٥] في ج «لأحد الخلفاء» محرفا.