نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٤٧ - بكار المرواني
فتبسّم الشيخ وقال : أما كان في نظمك أطهر من هذا؟ فقلت له : ما وفّقت لغيره ، فقال : لا بأس عليك ، فأنشدني غيره ، ففكّرت إلى أن أنشدته قولي : [المتقارب]
| ولمّا وقفت على ربعهم | تجرّعت وجدي بالأجزع | |
| وأرسل دمعي شرار الدموع | لنار تأجّج في الأضلع [١] | |
| فقال عذولي ، لمّا رأى | بكائي : رفقا على الأدمع | |
| فقلت له : هذه سنّة | لمن حفظ العهد في الأربع |
قال : فرأيت الشيخ قد اختلط ، وجعل يجيء ويذهب ، ثم أفاق وقال : أعد بحقّ آبائك الكرام ، فأعدت ، فأعاد ما كان فيه وجعل يردّده ، فقلت له : لو علمت أنّ هذا يحرّكك ما أنشدتك إيّاه ، فقال : وهل حرّك منّي إلّا خيرا وعظة؟ يا بنيّ ، إنّ هذه القلوب المخلاة لله كالورق التي جفت ، وهي مستعدّة لهبوب الرياح ، فإن هبّ عليها أقلّ ريح لعب بها كيف شاء ، وصادف منها طوعه ، فأعجبني منزعه ، وتأنّست به ، ولم أر عنده ما يعتاد من هؤلاء المتدينين من الانجماع والانكماش ، بل ما زال يبسطني ويحدّثني بأخبار فيها هزل ، ويذكر لي من تاريخ بني أمية وملوكها ما أرتاح له ، ولا أعلم أكثره ، فلمّا كثر تأنسي به أهويت إلى يده كي أقبّلها ، فضمّها بسرعة ، وقال : ما شأنك؟ فقلت : راغبا لك في أن تنشدني شيئا من نظمك ، فقال : أما نظمي في زمان الصبا فكان له وقت ذهب ، ويجب للنظم أن يذهب معه ، وأمّا نظمي في هذا الوقت فهو فيما أنا بسبيله ، وهو يثقل عليك ، فقلت له : إن أنصف سيدي الشيخ نفعنا الله تعالى به أنشدني من نظم صباه ، ومن نظم شيخوخته [٢] ، فيأخذ كلانا بحظّه ، فضحك وقال : ما أعصيك وأنت ضيف وقريب ولك حرمة أدب [٣] ووسيلة قصد ، ثم أنشدني وقد بدا عليه الخشوع وخنقته العبرة : [مجزوء الكامل]
| ثق بالذي سوّاك من | عدم فإنك من عدم | |
| وانظر لنفسك قبل قر | ع السّنّ من فرط الندم | |
| واحذر وقيت من الورى | واصحبهم أعمى أصمّ | |
| قد كنت في تيه إلى | أن لاح لي أهدى علم | |
| فاقتدت نحو ضيائه | حتى خرجت من الظّلم |
[١] في ه : «وأرسل دمعي شداد الدموع» ، محرفا.
[٢] في ه : «ومن نظم شيخه» وليس بشيء.
[٣] في ه : «ولك حرمة وأدب».