نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٤٢ - عود إلى أهل الأندلس
| لي والبراغيث والبعوض إذا | أجنّنا حندس الظلام قصص [١] | |
| إذا تغنّى بعوضه طربا | أطرب برغوثه الغنا فرقص |
ونحو هذا قول الحصري فيما نسبه إليه ابن دحية : [المجتث]
| ضاقت بلنسية بي | وذاد عنّي غموضي | |
| رقص البراغيث فيها | على غناء البعوض |
رجع إلى أهل الأندلس ، فنقول :
كان ابن سعد الخير البلنسي الشاعر كثير الذهول ، مفرط النسيان ، ظاهر التغفّل ، على جودة نظمه ، ورطوبة طبعه ، وكان كثيرا ما يسلك سكة الإسكافيين الذين يعملون الخفاف على بغلة له ، فاتّخذت البغلة النفور من أطراف الأدم وفضلات الجلود الملقاة في السكة عادة لها ، واتّفق أن عبر في السكة راجلا ، ومعه جماعة من أصحابه ، فلمّا رأى الجلود الملقاة قفز ووثب راجعا على عقبيه ، فقال له أصحابه : ما هذا أيها الأستاذ؟ فقال : البغلة نفرت ، فعجبوا من تغفّله [٢] كيف ظنّ مع ما يقاسيه من ألم المشي ونصب التعب أنه راكب؟ وأنّ حركته الاختيارية منه حركة الدابة الضرورية له ، فكان تغفّله ربما أوقعه في تهمة عند من لم يعرفه ، فاقترح عليه بعض الأمراء أن يصنع بيتين أول أحدهما كتاب وآخره ذئب ، وأول الآخر جوارح وآخره أنابيب ، فصنع بديها : [الطويل]
| كتاب نجيع لاح في حومة الوغى | وقارنه نسر هنالك أو ذيب [٣] | |
| جوارح أهليه حروف وربّما | تولّته من نقط الطعان أنابيب |
وقال الحميدي [٤] : ذكر لي أبو بكر المرواني أنه شاهد محبوبا الشاعر النحوي قال بديهة في صفة ناعورة : [الطويل]
| وذات حنين ما تغيض جفونها | من اللّجج الخضر الصوافي على شطّ | |
| وتبكي فتحيي من دموع جفونها | رياضا تبدّت بالأزاهر في بسط [٥] |
[١] في التيمة «ألحفنا هندس».
[٢] في ب : «فعجبوا من تخلفه وتغفّله».
[٣] النجيع : الدم.
[٤] انظر الجذوة ص ٣٢٨.
[٥] في الجذوة : «رياضا تبدّت من أزاهير في بسط».