التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٨ - الفصل الثالث في بيان الوجه في إعجاز القرآن
اليسير، و نبوع الماء من بين أصابعه، الى غير ذلك من المعجزات الباهرة له (عليه الصلاة و السلام).
السؤال الثالث: هو أنّ الصحابة (رضي اللّه عنهم) لما اهتمّوا بجمع القرآن بعد الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و كانوا يطلبون الآية، و الآيتين، ممّن كان يحفظها منهم، فإن كان الراوي مشهور العدالة قبولها منه، و إن كان غير مشهور العدالة لم يقبلوها منه، و طلبوا على ذلك بيّنة فلو كان الوجه في إعجازه هو الفصاحة كما زعمتم، لكان متميّزا عن سائر الكلام و كان لا وجه للسؤال، لما يظهر من التمييز، و في هذا دلالة على أنّ وجه إعجازه هو الصرفة، أو غيرها، دون الفصاحة.
و جوابه من وجهين:
أمّا أوّلا: فلأنّا لا نسلّم أنّ الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) توفّاه اللّه تعالى و لم يكن القرآن مجموعا، بل ما مات عليه السلام إلا بعد أن جمعه جبرئيل، و هذه الرواية موضوعة مختلقة لا نسلّمها، و لهذا قال لما نزّل صدر سورة براءة:
(أثبتوها في آخر سورة الأنفال) فما قالوه منكر ضعيف.
و أمّا ثانيا: فلأنّ الاختلاف إنّما وقع في كتب القرآن و جمعه في الدّفاتر، فأمّا جمعه فمهما لم يقع فيه تردّد أنّه كان في أيام الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، و إنّما كان مجموعا في صدور الرجال، فأمّا كتبه فلعلّه إنّما كان بعد الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، و لهذا فإنّ المصاحف قد كانت كثرت بعد الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فلمّا وقع فيها الخلاف، فعل (عثمان) في خلافته ما فعل من محوها كلّها، و كتبه مصحفه الذي كتبه.
السؤال الرابع: هو أنّ ابن مسعود (رضي اللّه عنه) اشتبه عليه الفاتحة و المعوّذتان، هل هنّ من القرآن او لا، فلو كان الوجه في الإعجاز هو الفصاحة لكان لا يلتبس عليه شيء من ذلك.