التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٤ - مذهب الشريف المرتضى
قال الطبرسي: سلب قدرتهم على التكذيب، بمعنى توفير الدلائل و البراهين القاطعة بحيث لا تدع مجالا للشك فضلا عن الردّ و إمكان التكذيب، ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ[١].
فقد توفّرت المعاني الضخمة، و ازدحمت المعارف الجليلة، بين أحضان القرآن الكريم، بما بهر العقول و طار بالألباب ... الأمر الذي سلب قدرة المعارضة عن أيّ معارض متى رامها، و لم يدع مجالا للتفكير في مقابلته لأيّ صنديد عنيد، ما دام هذا الكتاب العزيز قد شمخ بأنفه على كلّ مستكبر جبّار عارض طريقه الى الإمام.
فلعلّ الشريف المرتضى أراد هذا المعنى، و أنّ اللفظ مهما جلّ نظمه و عزّ سبكه، فإنّه لا يبلغ مرتبة المعنى في جلاله و كبريائه، و التحدّي إنّما وقع بهذا الأهمّ الأشمل، قال: «فإن قال: الصرف عمّا ذا وقع؟ قلنا: عن أن يأتوا بكلام يساوي أو يقارب القرآن في فصاحته و طريقة نظمه، بأن سلب كلّ من رام المعارضة، العلوم التي تتأتّى بها من ذلك. فإنّ العلوم التي بها يتمكّن من ذلك ضرورة من فعله تعالى بمجرى العادة ...»[٢].
تأمّل هذه العبارة و أمعن النظر فيها، تجدها صريحة- تقريبا- في إرادة القدرة العلميّة، التي هي حكمة إلهية يهبها لمن يشاء من عباده، و من يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا. فهؤلاء حرموها مغبّة لجاجهم و عنادهم مع الحقّ.
و هكذا فهم الأستاذ الرافعي تفسير مذهب السيد في الصرفة، قال: و قال المرتضى من الشيعة: بل معنى الصرفة أنّ اللّه سلبهم العلوم .. التي يحتاج إليها في المعارضة ليجيئوا بمثل القرآن .. فكأنّه يقول: أنّهم بلغاء يقدرون على مثل النظم و الأسلوب، و لا يستطيعون ما وراء ذلك ممّا لبسته ألفاظ القرآن من
[١] البقرة: ٢.
[٢] بنقل الشيخ في التمهيد، و سيأتي تفصيله. و هكذا جاء في عبارة السيد من كتابه« الذخيرة» ص ٣٨٠.