التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٨
فو الحرمة و الحرم، إن بقي أبطحي إلّا قال: هذا شيبة الحمد (يريدون عبد المطلب شيخ الأباطح) و تتامّت[١] عنده قريش و انقضّ إليه الناس من كلّ بطن فشنّوا و مسّوا و استلموا و طوفوا ثم ارتقوا أبا قبيس، و طفق الناس يدفّون حوله ما أن يدرك سعيهم مهلة حتى قرّوا بذروة الجبل و استكفوا جنابيه[٢].
فقام عبد المطلب فاعتضد ابن ابنه محمدا (صلى اللّه عليه و آله) فرفعه على عاتقه و هو يومئذ غلام قد أيفع أو قد كرب[٣]. ثمّ قال:
«اللّهم سادّ الخلة، و كاشف الكربة، أنت عالم غير معلّم، و مسئول غير مبخّل، و هذه عبداؤك و إماؤك بعذرات حرمك[٤]، يشكون إليك سنتهم، فاسمعن اللهمّ و أمطرن علينا غيثا مريعا مغدقا» فما راموا- و البيت- حتّى انفجرت السماء بمائها و كظّ الوادي بثجيجه[٥].
قال ابن هشام: و حدّثني من أثق به، قال: أقحط أهل المدينة فأتوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فشكوا ذلك إليه فصعد رسول اللّه المنبر فاستسقى، فما لبث أن جاء من المطر ما أتاه أهل الضواحي[٦] يشكون منه الغرق. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «اللّهمّ حوالينا و لا علينا»[٧]، فانجاب السحاب عن المدينة، فصار حواليها كالإكليل.
فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لسرّه فقال له بعض أصحابه: كأنّك يا رسول اللّه أردت قوله:
|
و أبيض يستسقى الغمام بوجهه |
ثمال اليتامى عصمة للأرامل |
|
[١] تتامّ القوم: اجتمعوا كلّهم.
[٢] استكفوا جنابيه: أي ملئوا طرفيه.
[٣] أيفع الغلام: ترعرع و ناهز البلوغ.
[٤] عذرة الدار- بكسر الذال-: فناؤها.
[٥] الروض الأنف: ج ٢ ص ٢٩. و هامش سيرة ابن هشام ج ١ ص ٣٠٠ و الثجيج: السيل الغزير.
[٦] الضواحي: جمع ضاحية هي الأرض البراز ليس فيها ما يكنّ من المطر. و ضاحية كلّ بلد: خارجه و نواحيه.
[٧] هو من حسن الأدب في الدعاء، لأنّ المطر رحمة و نعمة، فكيف يطلب رفع نعمته و كشف رحمته.