التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٣ - مقارنة عابرة
و بحور لا تغور، و سقف مرفوع، و مهاد موضوع، و ليل داج، و سماء ذات ابراج.
ما لي أرى الناس يموتون و لا يرجعون؟! أرضوا فأقاموا، أم حبسوا هناك فناموا.
يا معشر أياد، أين ثمود و عاد، و أين الآباء و الأجداد، اين المعروف الذي لم يشكر، و الظلم الذي لم ينكر، أقسم قسّ قسما باللّه، أن للّه دينا هو أرضى من دينكم هذا ...».
هذا و قد أعجب صاحب كتاب (الإعجاز في دراسات السابقين) هذا الكلام العربيّ القديم فقال في وصفه: إنّه ثمرة من ثمار البلاغة العربيّة الطيّبة الناضجة.! و ضربه مثلا لما كان للعرب من خطب مفحمة و حكم رائعة معجبة، يترقرق عليها ماء الحسن و الملاحة، فيها روعة آسرة و جمال أخّاذ .. الى آخر ما يقول في تقريض بيان أسلافه أعراب البادية الأقحاح![١].
و لكن ... يا ترى، أيّة ميزة لهذا الكلام الذي يشبه كلام الكهنة في أسجاع متكلّف بها، و أرداف متحمّل فيها، ليس فيها تلك الروعة و الجمال البارع الذي نجده في قوله تعالى من سورة الفجر: أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ. إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ. وَ ثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ. وَ فِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ. الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ. فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ. فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ..[٢].
إنّه تعالى ذكر الظالمين و أردف ذكرهم بما يهول من عظيم قدرتهم و خطير فسادهم في الأرض، و أخيرا كان مآلهم الى سياط الجحيم. يا أيّها الإنسان إنك كادح الى ربّك كدحا فملاقيه. فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرّة شرّا يره.
هذا هو اسلوب القرآن في وعظه الحكيم، يهدّ الإنسان هدّا، و يهزّ من
[١] الخطيب في الإعجاز: ص ٥٠٣.
[٢] الفجر: ٦- ١٤.