التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٨ - ٤ - الأسود العنسي
قيس، و قال له: إنّ هذا- و أشار الى شيطانه- يقول لي:
«عمدت الى قيس فأكرمته، حتى إذا دخل منك كلّ مدخل، و صار في العزّ مثلك، مال ميل عدوك و حاول ملكك، و أضمر على الغدر، إنّه يقول: يا أسود يا أسود، يا سوأة يا سوأة، اقطف قنّته[١] و خذ من قيس أعلاه، و إلّا سلبك أو قطف قنّتك». فقال قيس: كذب وذي الخمار، لأنت أعظم عندي من أن أحدث نفسي بذلك. فقال العنسي: ما أجفاك، أ تكذّب الملك! قد صدق الملك لكني عرفت الآن أنك تائب! ثمّ خرج قيس من عنده و جاء الى جشيش و فيروز و داذويه و أخبرهم بالخبر و قال: إذن فما الرأي؟ قالوا: نحن على حذر. فبيناهم على ذلك إذ أرسل إليهم العنسي، و قال لهم: «أ لم أشرّفكم على قومكم، أ لم يبلغني عنكم!» فقالوا: أقلنا مرّتنا هذه، فقال لهم: لا يبلغني عنكم فأقتلكم قالوا: فنجونا و لم نكد. لكنّه لم يزل في ارتياب من أمرنا و أمر قيس. و نحن أيضا في ارتياب من أمره.
قال فيروز: إذ جاءنا اعتراض عامر بن شهر بن باذان، و ذي زود، و ذي مران، و ذي كلاع، و ذي ظليم عليه، و كاتبونا و بذلوا لنا النصر، و إنّما اهتاجوا لذلك حين جاءهم كتاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بشأن العنسي يحرّضهم عربا و غير عرب على رفع فتنته. فكاتبناهم أن لا يحرّكوا شيئا حتى نبرم الأمر.
قال: فدخلت على آزاد، امرأته، فقلت لها: يا ابنة عمّ، قد عرفت بلاء هذا الرجل عند قومك قتل زوجك و طأطأ في قومك القتل، أي اسرع فيهم القتل، و سفل بمن بقي منهم و فضح النساء، فهل عندك من ممالأة عليه؟! فقالت: عليّ أمره. قلت: إحراجه؟ قالت: أو قتله. قلت: أو قتله؟! قالت: نعم، و اللّه ما خلق اللّه شخصا أبغض إليّ منه، ما يقوم للّه على حقّ و لا ينتهي له عليّ حرمة: قالت: فإذا عزمتهم فاعلموني، أخبركم بمأتى هذا الأمر.
[١] القنّة: كالقلّة لفظا و معنى، و هو أعلى الشيء و رأسه.