التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٦ - ثانيا الإعجاز في دراسات اللاحقين من علماء و كتاب معاصرين
و أنت إذ لم يهلك جمال الغطاء عمّا تحته من الكنز الدفين، و لم تحجبك بهجة الاستار عمّا ورائها من السرّ المصون، بل فليت القشرة عن لبّها و كشفت الصدفة عن درّها، فنفذت من هذا النظام اللفظي الى ذلك النظام المعنوي، تجلّى لك ما هو أبهى و أبهر، و لقيت منه ما هو أروع و أبدع.
لا نريد أن نحدّثك هاهنا عن معاني القرآن و ما حوته من العلوم الخارجة عن متناول البشر، فإنّ لهذا الحديث موضعا آخر يجيء- إن شاء اللّه تعالى- في بحث الإعجاز العلمي و حديثنا الآن كما ترى في شأن الإعجاز اللغوي، و إنّما اللغة الألفاظ.
بيد أنّ هذه الألفاظ ينظر فيها تارة من حيث هي أبنية صوتيّة مادّتها الحروف و صورتها الحركات و السكنات من غير نظر الى دلالتها ... و تارة من حيث هي أداة لتصوير المعاني و نقلها من نفس المتكلّم الى نفس المخاطب بها، و هذه الناحية لا شك أنّها هي أعظم الناحيتين أثرا في الإعجاز اللغوي، إذ اللغات تتفاضل من حيث هي بيان، أكثر من تفاضلها من حيث هي أجراس و أنغام. و الفضيلة البيانية إنّما تعتمد دقّة التصوير و إجادة التعبير عن المعنى كما هو، سواء كان ذلك المعنى حقيقة أو خيالا، و أن يكون هدى أو ضلالا، فقد كانت حكايات القرآن لأقوال المبطلين لا تقصر في بلاغتها عن سائر كلامه، لأنّها تصف ما في أنفسهم على أتمّ وجه.
انظر حيث شئت من القرآن الكريم، تجد بيانا قد قدّر على حاجة النفس أحسن تقدير، فلا تحسّ فيه بتخمة الإسراف و لا بمخمصة التقتير، يؤدّي لك من كلّ معنى صورة نقيّة وافية، نقيّة لا يشوبها شيء ممّا هو غريب عنها، وافية لا يشذّ عنها شيء من عناصرها الأصلية و لواحقها الكماليّة. كلّ ذلك في أوجز لفظ و أنقاه. ففي كلّ جملة منه جهاز من أجهزة المعنى، و في كلّ كلمة منه عضو من اعضائه، و في كلّ حرف منه جزء بقدره، و في أوضاع كلماته من جمله، و أوضاع