التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٧ - ١٠ - كلام الزملكاني
الثانية: قد أفلح من هينم في صلاته و أطعم المسكين من مخلاته و اجتنب الرجس و فعلاته، بورك في بقره و شاته ... و لم يشك الجمع في أنّ ما قرأه سورتان من القرآن.
فان قلت: لم لا يجوز أن يكون إعجازه نشأ من جهة ما فيه من الأنباء السالفة و اللاحقة و لم يكن ذلك شأن العرب ..
قلت: قد ذهب الى هذا المذهب قوم، لكن ليس الإعجاز منحصرا في ذلك، بل نظمه المخصوص معجز على ما قال تعالى: لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، و المراد النظم بدليل فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ و ليس في كل سورة إخبار بالغيب، دلّ على أنّ المراد نظمه.
فإن قلت: الضمير في «مثله» عائد الى اللّه تعالى.
قلت: يضعّفه قوله تعالى قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ[١] و السياق واحد.
فإن قلت: الواحد من العرب قد يؤلّف الخطبة أو القصيد و يعجز غيره عن مثلها، و لم يعد ذلك معجزا، كما تراه من خطب علي عليه السّلام و كلام قسّ و شعر امرئ القيس و الأعشى و غيرهما من المتقدّمين و المتأخّرين. و لقد ألّف الناس كتبا في الفنون و صنّفوا خطبا اعترف بأنّها يتيمة دهر و فريدة عصر! قلت: أين النبع من الغرب، و الصبر من الضرب[٢] و هل يحتوي كتاب أو يشتمل خطاب على ما اشتمل عليه كتاب اللّه تعالى من سهولة لفظ و جزالته و بلاغة معنى و غرابته، و عجائب لا تنقضي و عرائس في نفائس الحلي تنجلي، و من ثمّ قالوا: «انّ له لحلاوة و أنّ عليه لطلاوة و أنّ أسفله لمعرق و أنّ أعلاه لمثمر». و عن ابن مسعود: «اذا وقعت في آل حم وقعت في روضات دمثات
[١] هود: ١٣.
[٢] النبع: شجر للقسي و السهام ينبت في رءوس الجبال. و الغرب: نبت ضعيف ينبت على الأنهار.
الصبر: عصارة شجر مرّ. الضرب: العسل.