التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٨ - ١٠ - كلام الزملكاني
أتأنّق فيهنّ». أي اتتبّع محاسنهنّ. لم يقل ذلك من أجل أوزان الكلمات و لا من أجل اعرابها و لا من أجل الفواصل في أواخر الآيات، و لا من أجل التأليف فقط، بل ذلك راجع الى دقّة النظم مع زيادة الفائدة.
هذا و أنه لصادر على لسان من لم يمارس الخط و الخطب و ينافس في معرفة الدّر من المخشلب[١] و إذا جعلت الكلمات اليسيرة من عيسى (عليه السّلام) آية، مع أنّها الجارية من الأكابر عادة، فلئن تجعل الغايات الكثيرة و السورة الطويلة المشتملة على أصناف فنون الآداب و الفصاحة و البلاغة التي يعجز عنهما الوصف و يكلّ دونهما حدّ الطرف، من رجل حاله ما سبق، أحرى و أولى.
و سأوضّح لك ذلك بشيء من دقيق المسالك، منه فواتح السّور التي هي حروف هجاء و إذا نظرتها ببادي الرأي وجدتها ممّا يكاد يمجّه السمع و يقلّ به النّفع، مع أنّها من الحسن ترفل في أثواب الحبر و يقصر عنها دقيق النظر، و ذلك من وجوه:
الأوّل: إنّها كالمهيّجة لمن سمعها من الفصحاء و الموقظة للهمم الراقدة من البلغاء لطلب التساجل و الأخذ في التفاضل. أ لا تراها بمنزلة زمجرة الراعد قبل الماطر في الاعلام لتعي الأرض فضل الغمام و تحفظ ما أفيض عليها من الأنعام و تخاف مواقع الانتقام بما فيه من العجمة التي لا تؤلّف الكلام.
و ما هذا شأنه خليق بالنظر فيه و الوقوف على معانيه بعد حفظ مغانيه. بل حكم الدواعي الجبليّة أن تبعث على ذلك اضطرارا لا اختيارا، لا سيّما و هي صادرة عن رجل عليه مهابة و جلالة قد قام مقام أولي الرسالة و كشف ما هم عليه من الجهالة و الضلالة و تواعدهم بأنّ الهلكات نازلة بهم لا محالة.
الثاني: التنبيه على أنّ تعداد هذه الحروف ممّن لم يمارس الخطّ و لم يعان النظر فيه، على ما قال تعالى:
[١] يقال: أراه الدر مخشلبا، و هو: خرز من محارة البحر و ليس بدر.