التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٧ - القول بالصرفة
القول بالصرفة
هناك قول في وجه الإعجاز، لعلّه يخالف رأي الجمهور، هو: أنّ الآية و المعجزة في القرآن إنّما هي لجهة صرف الناس عن معارضته، صرفهم اللّه تعالى أن يأتوا بحديث مثله، و أمسك بعزيمتهم دون القيام بمقابلته. و لو لا ذلك لاستطاعوا الإتيان بسورة مثله. و هذا التثبيط في نفسه إعجاز خارق للعادة، و آية دالّة على صدق نبوّته (صلى اللّه عليه و آله) و هذا المذهب- فضلا عن مخالفته لآراء جمهور العلماء- فإنّه خطير في نفسه، قد يوجب طعنا في الدّين و التشنيع بمعجزة سيد المرسلين (صلى اللّه عليه و آله) أن لا آية في جوهر القرآن و لا معجزة في ذاته، و إنّما هو لأمر خارج هو الجبر و سلب الاختيار، و هو ينافي الاختيار الذي هو غاية التشريع و التكليف. و غير ذلك من التوالي الفاسدة[١] الأمر الذي استدعى تفصيل الكلام حوله و التحقيق عن جوانبه بما يتناسب مع وضع الكتاب:
[١] قال الرافعي- بشأن الآثار السيّئة التي خلّفها القول بالصّرفة-: على أنّ القول بالصرفة هو المذهب الناشئ من لدن قال به النظّام، يصوّبه فيه قوم و يشايعه عليه آخرون، و لو لا احتجاج هذا البليغ لصحّته، و قيامه عليه، و تقلّده أمره، لكان لنا اليوم كتب ممتعة في بلاغة القرآن و أسلوبه و إعجازه اللغوي، و ما الى ذلك. و لكن القوم- عفا اللّه عنهم- أخرجوا أنفسهم من هذا كله، و كفوها مئونته بكلمة واحدة تعلّقوا عليها، فكانوا فيها جميعا كقول هذا الشاعر الظريف الذي يقول:
|
كأنّنا و الماء من حولنا |
قوم جلوس حولهم ماء |
|