التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٨ - مقارنة عابرة
وَ إِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ[١].
و قال: وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ[٢].
و القول فيهما محمول على «كاد». هكذا ذكر الحذّاق من المفسرين. مع أنّا نجد الأماكن البعيدة القعر من البحار لا تقربها دابّة، خوفا على نفسها من الهلكة، فكأنّه أراد المبالغة في كثرة ماء هذه الشربات ...[٣].
قلت: فعلى هذا كان كلامه وصفا للماء لا للضفادع، و على أيّ حال فإنّ استهداف هكذا أهداف حقيرة و هابطة كانت حصيلة تضايق آفاق الحياة العربيّة حينذاك، و أين ذلك من سعة آفاق مطالب القرآن و مقاصده العليّة في أوصافه و تشبيهاته و تمثيلاته .. و هل تناسب بين قول زهير في هذا البيت، و الآيتين الكريمتين ...؟!! و إنّما يتفاخم الكلام و يتصاغر، بضخم موضوعه و صغره، و علو مقصوده و سفله. الأمر الذي نجده فرقا بيّنا بين مقصود الآيتين و مقصود زهير في البيت، بل بين القرآن كلّه و أشعار العرب الجاهلي كلّها.! قال الأصمعي: و أخطأ زهير في قوله- في ذم الحرب و القتال-:
|
فتنتج لكم غلمان أشأم كلّهم |
كأحمر عاد، ثمّ ترضع فتفطم[٤] |
|
حيث شبّه الغلمان المشائيم بعاقر ناقة صالح، الموصوف بالأحمر، و اسمه قدار. لكن نسبه الى عاد، و هو خطأ، و إنّما هو ثمود.
و اعتذر عنه بأنّ ثمود هي عاد الثانية، كما جاء في قوله تعالى:
وَ أَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى[٥].
فهل قال تعالى هذا إلّا و ثمّ عاد اخرى؟ و هي هلكت بالنمل، من ولد قحطان ..
[١] إبراهيم: ٤٦.
[٢] الأحزاب: ١٠.
[٣] العمدة: ج ٢ ص ٢٥١.
[٤] أشأم: مبالغة المشئوم. و أراد بأحمر عاد: أحمر ثمود، و هو عاقر الناقة، و اسمه قدار بن سالف يقول:
فتولد لكم أبناء في أثناء تلك الحروب كلّ واحد منهم يضاهي في الشؤم عاقر الناقة ...
[٥] النجم: ٥٠.