التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥ - التحدي بفضيلة الكلام
فلينظر في تلك العبر، و من لم يستح فليصنع ما شاء.
و تلك شهادات من أهل صناعة الأدب، اعترفوا- عبر العصور- بأنّ القرآن فذّ في اسلوبه لا يمكن لأحد من الناس أن يقاربه فضلا عن أن يماثله.
قال الدكتور عبد اللّه دراز: من كانت عنده شبهة، زاعما أنّ في الناس من يقدر على الإتيان بمثله، فليرجع إلى أدباء عصره، و ليسألهم: هل يقدر أحد منهم على أن يأتي بمثله؟ فإن قالوا: نعم، لو نشاء لقلنا مثل هذا، فليقل لهم: هاتوا برهانكم. و إن قالوا: لا طاقة لنا به. فليقل لهم: أيّ شيء أكبر شهادة على الإعجاز من الشهادة على العجز. ثم ليرجع الى التأريخ فليسأله ما بال القرون الاولى؟ ينبئك التأريخ أنّ أحدا لم يرفع رأسه أمام القرآن الكريم، و أنّ بضعة النفر الذين انغضّوا رءوسهم اليه، باءوا بالخزي و الهوان، و سحب الدهر على آثارهم ذيل النسيان[١].
التحدّي بفضيلة الكلام:
قد يقول قائل: إنّ صناعة البيان ليست في الناس بدرجة واحدة، و هي تختلف حسب اختلاف القرائح و المعطيات، و لكلّ إنسان مواهبه و معطياته.
و كلّ متكلّم أو كاتب إنّما يضع في بيانه قطعة من عقله و مواهبه، و من ثم يختلف الناس في طرق التعبير و الأداء، و لا يمكن أن يتشابه اثنان في منطقهما و في تعبيرهما، اللّهم إلّا إذا كان عن تقليد باهت.
إذن فكيف جاز تحدّي الناس لو يأتوا بحديث في مثل القرآن، و هم عاجزون أن يأتوا بمثل كلام بعضهم؟! لكن غير خفي أنّ لشرف الكلام وضعته مقاييس، بها يعرف ارتفاع شأن الكلام و انحطاطه و قد فصّلها علماء البيان، و بها تتفاوت درجات الكلام و يقع
[١] النبأ العظيم: ص ٧٥.