التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦ - التحدي بفضيلة الكلام
بها التفاضل بين انحائه من رفيع او وضيع، نعم و إن كانت القرائح و المعطيات هي المادّة الاولى لهذا التفاوت، و لا نماري أن يكون كلام كلّ متكلّم هي وليدة فطرته و حصيلة مواهبه و معطياته، بحيث لا يمكن مشاركة أي أحد فيما تمليه عليه ذهنيّته الخاصّة، لكن ذلك لا يوهن حجّتنا في التحدّي بالقرآن، لأنّا لا نطالبهم أن يأتوا بمثل صورته الكلاميّة، كلّا، و إنما نطلب كلاما- أيّا كان نمطه و اسلوبه- بحيث إذا قيس مع القرآن، بمقياس الفضيلة البيانيّة، حاذاه أو قاربه، على شاكلة ما يقاس كلمات البلغاء بعضهم مع بعض، و هذا هو القدر الذي يتنافس فيه الأدباء، و يتماثلون أو يتقاربون، لا شيء سواه.
و قد أشار السّكاكي الى طرف من تلك المقاييس التي هي المعيار لارتفاع شأن الكلام و انحطاطه، قال- بعد أن ذكر أن مقامات الكلام متفاوتة، و لكلّ كلمة مع صاحبتها مقام، و لكلّ حدّ ينتهي إليه الكلام مقام-: و ارتفاع شأن الكلام في باب الحسن و القبول و انحطاطه في ذلك، بحسب مصادفة الكلام لما يليق به.
قال: فحسن الكلام تحلّيه بشيء من هذه المناسبات و الاعتبارات بحسب المقتضى، ضعفا و قوّة على وجه من الوجوه (التي يفصّلها في فني المعاني و البيان) و يقول- بعد ذلك-: و إذ قد تقرّر أنّ مدار حسن الكلام و قبحه على انطباق تركيبه على مقتضى الحال و الاعتبار المناسب، و على لا انطباقه، وجب عليك- أيّها الحريص على ازدياد فضلك، المنتصب لاقتداح زناد عقلك، المتفحّص عن تفاصيل المزايا التي بها يقع التفاضل، و ينعقد بين البلغاء في شأنها التسابق و التناضل- أن ترجع الى فكرك الصائب، و ذهنك الثاقب، و خاطرك اليقظان، و انتباهك العجيب الشأن، ناظرا بنور عقلك، و عين بصيرتك، في التصفّح لمقتضيات الأحوال، في إيراد المسند إليه على كيفيّات مختلفة، و صور متنافية، حتى يتأتّى بروزه عندك لكلّ منزلة في معرضها، فهو الرهان الذي يجرّب به الجياد، و النضال الذي يعرف به الأيدي الشداد فتعرف أيّما حال