التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦١ - مذهب الشريف المرتضى
لا للتصديق بل لمحنة العباد أو للجدّ أو البختة أو إقبال الدوائر، كما يعتقد ذلك كثير من الناس، و يجوز أن يدخل عليهم الشبهة في ذلك. على أنّهم يلزمهم مثل ما ألزموناه بأن يقال: إن كانت العرب تعلم أنّ القرآن خرق العادة بفصاحته فأيّ شبهة بقيت عليهم فلم ينقادوا له؟ فأيّ جواب أجابوا به فهو جوابنا بعينه.
فإن قيل: إذ كان الصرف هو المعجز فلم لم يجعل القرآن من أرك الكلام و أقلّه فصاحة ليكون أبهر في باب الإعجاز؟
قلنا: لو فعل كذلك لكان جائزا لكن المصلحة معتبرة في ذلك، فلا يمتنع أنّها اقتضت أن يكون القرآن على ما هو عليه من الفصاحة، فلأجل ذلك لم ينقص منه، و لا يلزم في باب المعجزات أن يفعل بفعل كلّما كان أبهر و أظهر، و إنما يفعل ما يقتضيه المصلحة بعد أن يكون دلالة الإعجاز قائمة فيه.
ثم يقال: هلا جعل اللّه تعالى القرآن أفصح ممّا هو عليه بغايات لا تشتبه الحال فيه على من سمعه و لا يتمكّن من جحده، فما أجابوا به عن ذلك فهو جوابنا بعينه.
و ليس لأحد أن يقول: ليس وراء هذه الفصاحة زيادة لأنّها الغاية في المقدور، و ذلك أنّ هذا باطل لأنّ الغايات التي منتهى الكلام الفصيح إليها غير محصورة و لا متناهية، و لو انحصرت لوجب أن يسلب اللّه العرب في الأصل العلم بالفصاحة و يجعلهم في أدون الرتبة منها ليبيّن مزيّة القرآن و تزول الشبهة.
ثم يقال لهم: لم لم يجبه اللّه تعالى الى ما التمسوه منه من المعجزات من إحياء عبد المطلب و نقل جبال تهامة عن موضعها أو يفجر لهم الأرض ينبوعا أو يسقط السماء عليهم كسفا و غير ذلك من الآيات التي طلبوها؟ فكلّما أجابوا به بمثله نجيب.
فإن قيل: إذا لم يخرق القرآن العادة بفصاحته فلم شهد له بالفصاحة متقدّموا العرب كالوليد بن المغيرة و انقياده له، و لم أجاب دعوته كثير من الشعراء كالنابغة الجعدي و لبيد بن ربيعة و كعب بن زهير و الأعشى الكبير،