التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢١ - ثانيا الإعجاز في دراسات اللاحقين من علماء و كتاب معاصرين
الألفاظ إنّما هي طريقة يتوخّى بها الى أنواع من المنطق و صفات من اللهجة لم تكن على هذا الوجه من كلام العرب، و لكنّها ظهرت فيه أوّل شيء على لسان النبي (صلى اللّه عليه و آله) فجعلت المسامع لا تنبو عن شيء من القرآن، و لا تلوي من دونه حجاب القلب، حتى لم يكن لمن سمعه بدّ من الاسترسال إليه و التوفّر على الإصغاء، لا يستمهله أمر من دونه و إن كان أمر العادة، و لا يستنسئه الشيطان و إن كانت طاعته عندهم عبادة، فإنّه إنّما يسمع ضربا خالصا من (الموسيقى اللغويّة) في انسجامه و اطّراد نسقه و اتّزانه على أجزاء النفس مقطعا مقطعا و نبرة نبرة كأنها توقّعه توقيعا و لا تتلوه تلاوة! و هذا نوع من التأليف لم يكن منه في منطق أبلغ البلغاء و أفصح الفصحاء إلّا الجمل القليلة التي إنّما تكون روعتها و صيغتها و أوزان توقيعها من اضطراب النفس الحاصل في بعض مقامات الحماسة أو الفخر أو الغزل أو نحوها فتنتزي بكلام تلفظه العاطفة أحيانا.
و كان العرب يترسّلون أو يحذمون[١] في منطقهم كيفما اتفق لهم لا يراعون أكثر من تكييف الصوت، دون تكييف الحروف اللّهم إلّا بتعمّل يأتونه على نمط الموسيقى و هي غاية ما عرفوه من نظم الكلام.
فلمّا قرئ عليهم القرآن، رأوا حروفه في كلماته، و كلماته في جمله، ألحانا لغويّة رائعة، كأنّها لائتلافها و تناسبها قطعة واحدة، قراءتها هي توقيعها. (و كلّ الذين يدركون أسرار الموسيقى و فلسفتها النفسيّة- اليوم- لا يرون في الفن العربي بجملته شيئا يعدل هذا التناسب الذي طبيعي في كلمات القرآن و أصوات حروفها، و ما منهم من يستطيع أن يغتمز في ذلك حرفا واحدا، و يعلو القرآن على الموسيقى، أنّه مع هذه الخاصيّة العجيبة ليس من الموسيقى)- و العرب لم يفتهم هذا المعنى، و أنّه أمر لا قبل لهم به، و كان ذلك أبين في عجزهم، حتّى أنّ
[١] الحذم في القراءة: الإسراع.