التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٢ - ٥ - ابن المقفع
هذا و قد أنكر العلماء نسبة ذلك الى ابن المقفّع، الذي هو من أبصر الناس باستحالة المعارضة. إنّما يعرف ذا الفضل من الفضل ذووه.
قال الرافعي: هذه النسبة مكذوبة عليه، و أنّ ابن المقفّع من أبصر الناس بعدم إمكان معارضة مثل القرآن، لا لشيء إلّا لأنّه من أبلغ الناس. و إذا قيل أنّ فلانا يزعم إمكان المعارضة فاعلم أنّه إمّا جاهل أحمق أو عالم أعمته العصبيّة، و ابن المقفع ليس واحدا منهما، ذلك الرجل العاقل الخبير بموضع نفسه من كلام اللّه المجيد.
قلت: إن صحّت الرواية- و لم تصحّ- فلعلّه كان مجاراة مع بني جلدته من أهل الأدب و ربما كانوا يلحدون في آيات اللّه، فأراد بهذه التجربة إفحامهم و إقناعهم بواقع الأمر.
يدلك على ذلك قصّته الاخرى- في المسجد الحرام- مع أصحابه، عند ما مرّوا بالإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السّلام) فعمد الى التنويه بمقامه الرفيع:
روى الصدوق (عليه الرحمة) بإسناده المتصل الى أحمد بن محسن الميثمي، قال: كنت عند أبي منصور المتطبّب، فقال: أخبرني رجل من أصحابي، قال: كنت أنا و ابن أبي العوجاء و عبد اللّه بن المقفع في المسجد الحرام. فقال ابن المقفع: ترون هذا الخلق؟ و أومأ بيده الى موضع الطواف. ما منهم أحد أوجب له اسم الإنسانيّة، إلّا ذلك الشيخ الجالس- يعني جعفر بن محمد- (عليه السّلام) فأمّا الباقون فرعاع و بهائم.
فقال: له ابن أبي العوجاء: و كيف أوجبت هذا الإسم لهذا الشيخ دون هؤلاء؟
قال: لأنّي رأيت عنده ما لم أر عندهم.
فقال ابن أبي العوجاء: ما بدّ من اختبار ما قلت فيه منه.
فقال له ابن المقفّع: لا تفعل، فإنّي أخاف أن يفسد عليك ما في يدك.
فقال: ليس ذا رأيك، و لكنّك تخاف أن يضعف رأيك عندي، في إحلالك