التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٣ - ٦ - أبو شاكر الديصاني
إيّاه المحلّ الذي وصفت! فقال ابن المقفع: أمّا إذا توهّمت عليّ هذا فقم إليه، و تحفّظ ما استطعت من الزلل، و لا تثن عنانك الى استرسال يسلمك الى عقال، وسمه مالك أو عليك! قال: فقام ابن أبي العوجاء الى الإمام و تكلّم معه و حاججه طويلا- في شرح يطول- ثم رجع و هو مبهور بفضله (صلوات اللّه عليه) و نبوغه. فقال: يا ابن المقفّع، ما هذا ببشر، و إن كان في الدنيا روحانيّ يتجسّد، إذا شاء ظاهرا، و يتروّح إذا شاء باطنا، فهو هذا! ثمّ ذكر له حديثه معه[١].
و هذا إن دلّ فإنّما يدلّ على أنّ ابن المقفع كان يرى- بفضل ذكائه و فرط عقله- مكانة أئمّة المسلمين، الأحقّاء بمقام الإمامة، سموّا و رفعة و شموخا، تلك كانت عقيدته الباطنة، و ربّما كان يتألّم من تقدّم غير الأهل من أهل الهرج و الضوضاء، فكان يقوم في وجههم و يعارضهم بقوّة بيانه و صريح حجّته، و من ثمّ رموه بالزندقة و الإلحاد. هذا ما أظنّه بحقّ الرجل و ربّما لا أشك في استقامة طريقته على غرار استقامة سائر أبناء الفرس الذين أسلموا يوم أسلموا و كانوا يرون الحقّ مع أهل بيت الرسول (صلى اللّه عليه و آله) و إن كان في ذلك رغم أنوف اشياع امية و بني العباس!
٦- أبو شاكر الديصاني:
هو عبد اللّه أبو شاكر الديصاني، نسبة الى الفرقة الديصانيّة، مذهب قديم من ثنوية المجوس له كتاب (النور و الظلمة). كان يسكن الكوفة و له مع هشام بن الحكم مناظرات، و أخيرا أسلم على يد الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) في مباحثة جرت معه، فاستسلم و تشهّد الشهادتين و تاب الى اللّه ممّا كان فيه. عاش الى حدود المائة و الخمسين.
[١] كتاب التوحيد: باب القدرة ح ٤ ص ١٢٦.