التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٥ - ثانيا الإعجاز في دراسات اللاحقين من علماء و كتاب معاصرين
موضع، و تابعة لقصر الفواصل و طولها، كما هي تابعة لانسجام الحروف في الكلمة المفردة، و لانسجام الألفاظ في الفاصلة الواحدة ... فإننا نؤثر أن نتحدّث عن هذه الظواهر كلّها مجتمعة.
جاء في القرآن الكريم وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ[١] و جاء فيه حكاية عن كفار العرب: بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ[٢].
و صدق القرآن الكريم، فليس هذا النسق شعرا. و لكن العرب كذلك لم يكونوا مجانين و لا جاهلين بخصائص الشعر، يوم قالوا عن هذا النسق العالي: إنّه شعر! لقد راع خيالهم بما فيه من تصوير بارع؛ و سحر وجدانهم بما فيه من منطق ساحر، و أخذ أسماعهم بما فيه من إيقاع جميل. و تلك خصائص الشعر الأساسية، إذا نحن أغفلنا القافية و التفاعيل.
على أنّ النسق القرآني قد جمع بين مزايا النثر و الشعر جميعا. فقد أعفى التعبير من قيود القافية الموحدة و التفعيلات التامة، فنال بذلك حرّية التعبير الكاملة عن جميع أغراضه العامّة. و أخذ في الوقت ذاته من خصائص الشعر، الموسيقى الداخلية، و الفواصل المتقاربة في الوزن التي تغني عن التفاعيل؛ و التقفية التي تغني عن القوافي، و ضمّ ذلك إلى الخصائص التي ذكرنا، فشأن النثر و النظم جميعا[٣] و حيثما تلا الإنسان القرآن أحسّ بذلك الإيقاع الداخلي في سياقه، يبرز بروزا واضحا في السور القصار، و الفواصل السريعة، و مواضع التصوير
[١] يس: ٦٩.
[٢] الأنبياء: ٥.
[٣] يقول الدكتور طه حسين: إنّ القرآن ليس شعرا و ليس نثرا. إنّما هو قرآن! و لسنا في حاجة الى هذا اللعب بالعبارات، فالقرآن نثر متى احتكمنا للاصطلاحات العربيّة كما ينبغي. و لكنّه نوع ممتاز مبدع من النثر الفني الجميل المتفرّد.