التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٨ - الفصل الثالث في بيان الوجه في إعجاز القرآن
المذهب الأوّل منها: الصّرفة، و هذا هو رأي أبي إسحاق النظّام، و أبي إسحاق النّصيبي، من المعتزلة و اختاره الشريف المرتضى من الإماميّة، و اعلم أنّ قول أهل الصّرفة يمكن أن يكون له تفسيرات ثلاثة، لما فيه من الإجمال و كثرة الاحتمال كما سنوضّحه.
(ذكرنا التفاسير الثلاثة عند الكلام عن مذهب الصرفة).
ثم قال: و حاصل الأمر في هذه المقالة، أنّهم قادرون على إيجاد المعارضة للقرآن، إلّا أنّ اللّه تعالى منعهم بما ذكرناه، قال: و الذي غرّ هؤلاء حتّى زعموا هذه المقالة، ما يرون من الكلمات الرشيقة، و البلاغات الحسنة، و الفصاحات المستحسنة، الجامعة لكلّ الأساليب البلاغيّة في كلام العرب الموافقة لما في القرآن، فزعم هؤلاء أنّ كلّ من قدر على ما ذكرناه من تلك الأساليب البديعة، لا يقصر عن معارضته، خلا ما عرض من منع اللّه إيّاهم بما ذكرناه من الموانع، و الذي يدلّ على بطلان هذه المقالة براهين.
(نقلنا براهينه الثلاثة ضمن دلائل العلماء على دحض شبهة الصرفة).
المذهب الثاني: قول من زعم أنّ الوجه في إعجازه إنّما هو الأسلوب، و تقريره أنّ اسلوبه مخالف لسائر الأساليب الواقعة في الكلام، كأسلوب الشعر، و اسلوب الخطب و الرسائل، فلمّا اختصّ باسلوب مخالف لهذه الأساليب، كان الوجه في إعجازه. و هذا فاسد لأوجه:
أوّلها: أنّا نقول: ما تريدون بالاسلوب الذي يكون وجها في الإعجاز، فإن عنيتم به اسلوبا أيّ اسلوب كان، فهو باطل، فإنّه لو كان مطلق الأسلوب معجزا، لكان اسلوب الشعر معجزا، و هكذا اسلوب الخطب و الرسائل، يلزم كونه معجزا، و إن عنيتم اسلوبا خاصا، و هو ما اختصّ به من البلاغة و الفصاحة، فليس إعجازه من جهة الأسلوب، و إنّما وجه إعجازه الفصاحة و البلاغة كما سنوضّحه من بعد هذا عند ذكر المختار، و إن عنيتم بالاسلوب أمرا