التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٠ - ثانيا الإعجاز في دراسات اللاحقين من علماء و كتاب معاصرين
حروفه في كلماتها، و كلماته في جملها، و نسق هذه الجمل في جملته، ما أذهلهم عن أنفسهم، من هيبة رائعة و روعة مخوفة، و خوف تقشعرّ منه الجلود، حتى أحسّوا بضعف الفطرة و تخلّف الملكة، و رأى بلغاؤهم أنّه جنس من الكلام غير ما هم فيه فاستيأسوا من حقّ المعارضة، إذ وجدوا من القرآن ما يغمر القوة و يحيل الطبع و يخاذل النفس، مصادمة لا حيلة و لا خدعة .. و لهذا انقطعوا عن المعارضة ...[١] ثم أخذ في بيان وجه هذا الإعجاز و سرّه الكامن وراء جمال لفظه و روعة بيانه، قال: ذلك بعض ما تهيّأ لنا من القول في الجهات التي اختصّ بها اسلوب القرآن، فكانت اسبابا لانقطاع العرب دونه و انخذالهم عنه.
و تلك أسباب لا يمكن أن يكون شيء منها في كلام بلغاء الناس من أهل هذه اللغة، لأنّها خارجة عن قوى العقول و جماع الطبائع، و لا أثر لها في نفس كلّ بليغ إلّا استشعار العجز عنها و الوقوف من دونها ... و إنّما تلك الجهات صفات من نظم القرآن، و طريقة تركيبه، فنحن الآن قائلون في سرّ الإعجاز الذي قامت عليه هذه الطريقة و انفراد به ذلك النظم، و هو سرّ لا ندعي أنّنا نكشفه أو نستخلصه أو ننتظم اسلوبه، و إنّما جهدنا أن نومئ إليه من ناحية و نعيّن بعض أوصافه من ناحية، فإنّ هذا القرآن هو ضمير الحياة، و هو من اللغة كالروح الإلهيّة التي تستقرّ في مواهب الإنسان فتضمن لآثاره الخلود ...
... و الكلام بالطبع يتركّب من ثلاثة: حروف هي من الأصوات، و كلمات هي من الحروف، و جمل هي من الكلم. و قد رأينا سرّ الإعجاز في نظم القرآن يتناول هذه كلّها ... و لهذا النظم طريقة خاصّة اتّبعها القرآن الكريم كانت غريبة على العرب و في نفس الوقت رائعة تستأنس إليها النفوس! إنّ طريقة النظم التي اتّسقت بها ألفاظ القرآن، و تألّفت لها حروف هذه
[١] المصدر: ص ١٨٨- ١٨٩.