التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٩ - ٨ - كلام الشيخ الطوسي
أمّا ظهوره بمكة و ادعاؤه النبوّة فضروري. و كذا ظهور القرآن على يده و تحدّيه للعرب أن يأتوا بمثله، لأنّه صريح القرآن في مواضع عديدة.
و أمّا أنّه لم يعارض فلأنّه لو كان عورض لوجب أن ينقل، و لو نقل لعلم، لأنّ الدواعي متوفّرة إلى نقله، و لأنّ المعارض لو كان لكان هو الحجّة دون القرآن، و نقل الحجّة أولى من نقل الشبهة.
و الذي يدعو الى المعارضة- لو امكنت- و نقلها هو طلب التخليص ممّا ألزموا به من ترك أديانهم و مفارقة عاداتهم و بطلان ما ألفوه من الرئاسات، و لذلك نقلوا كلام مسيلمة و الأسود العنسي و طليحة مع ركاكته و سخافته و بعده عن دخول الشبهة فيه.
و لا يمكن دعوى الخوف من أنصاره و أتباعه، إذا لا موجب للخوف مع ضعف المسلمين بمكة و على فرضه فلا يمنع نقله استسرارا، أو في سائر البلاد النائية كالروم و الحبشة و غيرهما، كما نقل هجاؤهم و سبّهم و كان أفحش و كان أدعى للخوف إن كان.
و إذا ثبت أنّهم لم يعارضوه، فإنّما لم يعارضوه للعجز، لأنّ كلّ فعل لم يقع مع توفّر الدواعي لفاعله و شدّة تداعيه عليه، قطعنا على أنّه لم يفعل للتعذّر. و قد توفّرت دواعي العرب الى معارضته فلم يفعلوها، و قد تكلّفوا المشاقّ من أجله، فقد بذلوا النفوس و الأموال و ركبوا الحروب العظام و دخلوا الفتن، طلبا لإبطال أمره، فلو كانت المعارضة ممكنة لهم لما اختاروا الصعب على السهل، لأنّ العاقل لا يترك الطريق السهل، و يسلك الطريق الوعر الذي لا يبلغ معه الغرض، إلّا أن يختلّ عقله أو يسفه رأيه، و القوم لم يكونوا بهذه الصفة.
و ليس لأحد أن يقول: إنّهم اعتقدوا أنّ الحرب أنجح من المعارضة فلذلك عدلوا إليها. و ذلك أنّ النبي (عليه السّلام) لم يدّع النبوّة فيهم بالغلبة و القهر، و إنّما ادعى معارضة مثل القرآن، و لم يكن احتمال حرب إذ ذاك. ثمّ مع قيام