التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٢ - شعراء مخضرمون
أجواء مفعمة بالأدب الرفيع أحاطت بعهد نزول القرآن
شعراء مخضرمون:
و لعلّنا لم نبالغ إذا قلنا بأنّ العرب الأوّل قد حظوا من رفعة الأدب و سمو البلاغة و طلاقة اللسان ما لم يحظّوا فيما بعد من أدوار التأريخ، مهما توسّعوا في الاضطلاع بقواعده و الإشادة بمبانيه و مبادئه، إنّهم- على بداوتهم- كانوا خلصاء و كانوا يعتمدون قرائحهم الضافية و أذواقهم السليمة الصافية، لا تعمّل فيها و لا تكلّف ممّا صنعه المتأخّرون.
كانت البلاغة حينذاك هي بضاعة العرب الوحيدة و صناعتهم الفريدة، و من ثمّ كانوا قد أحكموا من مبانيها و أتقنوا من أصولها و فروعها قريحة و سليقة لا دراسة و تعلّما، فكانت بالذاتيات الراسخة أشبه منها بالعرضيات الزائلة.
و في هذا الجوّ المفعم بالأدب الرفيع، نزل القرآن الكريم، فبدلا من أن يسطو عليه المحيط الغالب: نراه قد تغلّب على البلاد، و استولى على معالمها، و هزم أبطالها، و أباد عساكرها، و تسنّم العرش و سيطر على الآفاق ...
و نحن في هذا العرض نقتصر على جانب من هذا الجو السائد، جانب الشعر و الشعراء ممن أدركوا الجاهليّة و الإسلام، و كانوا على مستوى عال، أصحاب طلاقة بيان و ذلاقة لسان، سواء منهم من آمن و من بقي على جهله القديم، و هم الأقلّ ...
و قد عمدنا الى ألمع شعراء العرب المخضرمين، و فيهم أصحاب المعلّقات