التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٥ - ثانيا الإعجاز في دراسات اللاحقين من علماء و كتاب معاصرين
مساوقة لها في النظم الموسيقى. حتى أنّ الكلمة ربّما كانت ثقيلة في نفسها لسبب من أسباب الثقل أيّها كان، فلا تعذب و لا تساغ و ربما كانت أو كس النصيبين في حظّ الكلام من الحرف و الحركة، فإذا هي استعملت في القرآن رأيت لها شأنا عجيبا، و رأيت أصوات الأحرف و الحركات التي قبلها قد امتهدت لها طريقا في اللسان، و اكتنفتها بضروب من النغم الموسيقى، حتى إذا خرجت فيه كانت أعذب شيء و أرقّه، و جاءت متمكّنة في موضعها، و كانت لهذا الموضع أولى الحركات بالخفّة و الروعة.
من ذلك لفظ «النذر» جمع نذير، فإنّ الضمّة ثقيلة فيها لتواليها على النون و الذال معا فضلا عن جسأة هذا الحرف و نبوّة في اللسان، و خاصّة إذا جاءت فاصلة للكلام. فكلّ ذلك ممّا يكشف عنه و يفصح عن موضع الثقل فيه، و لكنّه جاء في القرآن على العكس و انتفى من طبيعته في قوله تعالى: وَ لَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ[١]. فتأمّل هذا التركيب و انعم ثم انعم على تأمّله، و تذوّق مواقع الحروف و اجر حركاتها في حسّ السمع و تأمّل مواضع القلقلة في دال «لقد»، و في الطاء من «بطشتنا»، و هذه الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء الى واو «تماروا»، مع الفصل بالمدّ، ثمّ اعجب لهذه الغنّة التي سبقت الطاء في نون «أنذرهم» و في ميمها، و للغنّة الأخرى التي سبقت الذال في «النّذر».
و ما من حرف أو حركة في الآية إلّا و أنت مصيب من كلّ ذلك عجبا في موقعه و القصد به.
قال: إنّما تلك طريقة في النظم قد انفرد به القرآن، و ليس من بليغ يعرف هذا الباب إلّا و هو يتحاشى أن يلمّ به من تلك الجهة أو يجعل طريقه عليها، فإن اتفق له شيء منه كان إلهاما و وحيا، لا تقتحم عليه الصناعة و لا يتيسّر له
[١] القمر: ٣٦.