التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨ - ٥ - رأي الراغب الأصفهاني
باختلاف صورها لا بعنصرها الذي هو الذهب و الفضة فإذا ثبت هذا ثبت أن الإعجاز المختص بالقرآن متعلق بالنظم المخصوص.
و بيان كونه معجزا هو أن نبين نظم الكلام، ثم نبيّن أن هذا النظم مخالف لنظم سائره، فنقول: لتأليف الكلام خمس مراتب:
الاولى: النظم: و هو ضمّ حروف التهجّي بعضها الى بعض، حتى يتركب منها الكلمات الثلاث: الاسم و الفعل و الحرف.
و الثانية: أن يؤلف بعض ذلك مع بعض حتى يتركب منها الجمل المفيدة و هي النوع الذي يتداوله الناس جميعا في مخاطباتهم، و قضاء حوائجهم، و يقال له: المنثور من الكلام.
و الثالثة: أن يضم بعض ذلك إلى بعض ضمّا له مباد و مقاطع، و مداخل و مخارج، و يقال له: المنظوم.
و الرابعة: أن يجعل له: في أواخر الكلام مع ذلك تسجيع، و يقال له:
المسجّع.
و الخامسة: أن يجعل له مع ذلك وزن مخصوص، و يقال له: الشعر. و قد انتهى.
و بالحق صار كذلك: فإن الكلام إما منثور فقط، أو مع النثر نظم، أو مع النظم سجع، أو مع السجع وزن.
و المنظوم: إما محاورة، و يقال له: الخطابة، أو مكاتبة، و يقال لها: الرسالة، و أنواع الكلام لا تخرج عن هذه الجملة. و لكل من ذلك نظم مخصوص.
و القرآن حاو لمحاسن جميعه بنظم ليس هو نظم شيء منها بدلالة أنه لا يصح أن يقال:
القرآن رسالة، أو خطابة، أو شعر، كما يصح أن يقال: هو كلام، و من قرع سمعه فصل بينه و بين سائر النظم. و لهذا قال تعالى: وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ