التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧ - الإعجاز في مفهومه
(عليهم السلام) ترقّ و تلطف، و كانت آخر المعاجز رقّة و لطفا هي أرقاها نمطا و أعلاها اسلوبا، ألا و هي معجزة الإسلام الخالدة، عرضت على البشريّة جمعاء مع الأبد، مهما ارتقت و تصاعدت في آفاق الكمال، الأمر الذي يتناسب مع خلود شريعة الاسلام.
و لقد صعب على العرب- يومذاك و هم على البداوة الاولى- تحمّل عبء القرآن الثقيل، فلم يطيقوه. و من ثمّ تمنّوا لو يبدّل إلى قرآن غير هذا، و معجزة اخرى لا تكون من قبيل الكلام: قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ[١]. إنها لم تكن معجزة للعرب فقط، و إنّما هي معجزة للبشرية عبر الخلود، لكن أنّى لأمة جهلاء أن تلمس تلك الحقيقة و أن تدرك تلك الواقعيّة سوى أنّها اقترحت عن سفه: أن يفجّر لهم من الأرض ينبوعا، أو تكون له جنة من نخيل و عنب و يفجّر الانهار خلالها تفجيرا، أو يسقط السماء عليهم كسفا، أو يأتي باللّه و الملائكة قبيلا، أو يكون له بيت من زخرف أو يرقى في السماء، و لا يؤمنوا لرقيّه حتى ينزل عليهم كتابا يقرءونه ... و قد عجب النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) من مقترحهم ذلك التافه الساقط، ممّا يتناسب و مستواهم الجاهلي، و من ثم رفض اقتراحهم ذاك قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا[٢]. أي ليس هذا من شأنكم و إنّما هي حكمة بالغة يعلمها الحكيم الخبير.
قال الراغب الاصفهانى: المعجزات التي أتى بها الانبياء (عليهم السلام) ضربان: حسّي و عقلي:
فالحسّي: ما يدرك بالبصر، كناقة صالح، و طوفان نوح، و نار إبراهيم، و عصا موسى (عليهم السلام).
[١] يونس: ١٥.
[٢] الاسراء: ٩٣.