التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٥ - كلمة عبد القاهر الجرجاني
قرائحهم و أذهانهم، و عدموا الكثير ممّا كانوا يستطيعون، و أن تكون أشعارهم التي قالوها، و الخطب التي قاموا بها- و كلّ كلام اختلفوا فيه من بعد أن أوحي الى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و تحدّوا الى معارضة القرآن- قاصرة عمّا سمع منهم من قبل ذلك، القصور الشديد. و أن يكون قد ضاق عليهم في الجملة مجال قد كان يتسع لهم، و نضبت عنهم موارد قد كانت تعزز، و خذلتهم قوى قد كانوا يصولون بها، و أن تكون أشعار شعراء النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) التي قالوها في مدحه، و في الردّ على المشركين، ناقصة متقاصرة عن شعرهم في الجاهلية ...
ثمّ أورد اعتراضا بأنّهم إذا لم يشعروا بهذا النقصان الحاصل في فصاحتهم، فكيف عرفوا مزيّة القرآن على كلامهم، و إذا لم يعرفوا مزيّة القرآن، فكيف اعترفوا بعجزهم عن نيلها! و أمّا إذا أحسّوا بنقصان حدث في أنفسهم، فعند ذلك فاللازم أن لا يعترفوا بمزيّة القرآن على كلامهم، بل بهذا العجز النفسي الحاصل لهم قهرا، فيتذاكروا- و لو عند ما يخلو بعضهم لبعض-: ما لناقد نقصنا في قرائحنا، و ما هذا الكلول الحادث في أذهاننا؟! ثم قال: و في سياق آية التحدّي ما يدلّ على فساد هذا الزعم، إذ لا يقال عمّا إذا منع الإنسان عن الشيء قهرا عليه، مع قدرته عليه قبل المنع: انّي قد جئتكم بما لا تقدرون على مثله. بل كان يجب أن يقال: إن لي القدرة على أن أحول بينكم و بين مقدوركم، و أسلبكم القدرة على أمر كان متعارفا عندكم.
و يقول- في خاتمة الفصل-: ينبغي أن يقال لهم: ما هذا الذي أخذتم به أنفسكم، و ما هذا التأويل منكم في عجز العرب عن معارضة القرآن؟
و ما دعاكم إليه؟ و ما أردتم منه؟ أو هل يكون لكم قول يحكى، فتكونوا امة على حدة أم قد أتاكم في هذا الباب علم لم يأت الناس؟ ...»[١].
[١] ثلاثة رسائل في إعجاز القرآن: ص ١٤٦- ١٥٥.