التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٧ - مقارنة عابرة
قال: و اختار العلماء لهذا الشأن قول علي بن جبلة:
|
و ما لامرئ حاولته عنك مهرب |
و لو رفعته في السماء المطالع |
|
|
بلى هارب لا يهتدي لمكانه |
ظلام و لا ضوء من الصبح ساطع |
|
قال: لأنّه قد أجاد، مع معارضته النابغة، و زاد عليه ذكر الصبح. قال:
و أظنّه اقتدى بقول الأصمعي في بيت النابغة: ليس الليل أولى بهذا المثل من النهار ...[١].
قال: و أفضل من هذا كلّه قول اللّه تعالى:
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ[٢].
و قال من اعتذر للنابغة: إنّما قدّم الليل في كلامه لأنّه أهول، و لأنّه أوّل، و لأنّ أكثر أعمالهم إنّما كانت فيه، لشدّة حرّ بلدهم، فصار ذلك عندهم متعارفا ...[٣].
و عقد ابن رشيق بابا في أغاليط الشعراء و الرواة، ذكر فيه مآخذ علماء الأدب على كثير من أشعار القدماء و المحدثين، فكان من ذلك ما أخذوه على قول زهير يصف ضفادع (شربات):
|
يخرجن من شربات ماؤها طحل |
على الجذوع يخفن الغمر و الغرقا[٤] |
|
اذ لا تخاف الضفدعة من الغرق مهما كان غمر الماء.! فقد غلط في هذا التوصيف ...
و اعتذر عنه بأنّه لم يرد خوف الغرق على الحقيقة، و لكنّها عادة من هرب من الحيوان من الماء، فكأنّه مبالغة في التشبيه، كما قال تعالى:
[١] العمدة: ج ٢ ص ١٧٦- ١٧٩.
[٢] الرحمن: ٣٣.
[٣] العمدة: ج ٢ ص ٢٥١.
[٤] شربات: موضع قرب مكة، طحل الماء: فسد. و الجذع: ساق النخلة. الغمر: الماء الكثير، و غمره الماء غمرا: علاه و غطّاه.