التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣ - المقدمة
المدوّي المدهش، و قد تنازل معهم الى الأخفّ فالأخفّ، تبيينا لموقف عجزهم و ضعف مقدرتهم:
أوّلا: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ[١]. ثانيا: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ[٢]. ثالثا: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ[٣]، و أخيرا أجهز عليهم بحكمه الباتّ:
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ[٤] فقد أنذرهم بالنار و ساوى بينهم و بين الأحجار! هذا .. و لم يكن العرب يومذاك أهل كسل و ملل في الكلام و الخصام، و قد تربّوا في احصان الخصومة و كانوا أهل لدد و جدل، كما وصفهم تعالى: وَ تُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا[٥]، و قال: ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ[٦].
فلو كانت فيهم قدرة على المعارضة أو لسان لم يخرسه العجز و العيّ، لما صمتوا على ذلّ العار أو سكتوا على شنار الصّغار، و قد أصاب منهم موضع عزّهم و محلّ فخارهم، و هزمهم بذات سلاحهم، و لم تكن الهزيمة الشنعاء إلّا لأنّهم وجدوا من أنفسهم ضآلة و حقارة، تجاه عظمة القرآن و هيمنته و كبريائه، فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَ مَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً[٧][٨]
[١] الطور: ٣٤.
[٢] هود: ١٣.
[٣] يونس: ٣٨.
[٤] البقرة: ٢٤.
[٥] مريم: ٩٧.
[٦] الزخرف: ٥٨.
[٧] الكهف: ٩٧.
[٨] إنّهم حاولوا معارضته و مقابلة فصيح كلامه، غير أنّ الحظّ لم يساعدهم و لم يرافقهم التوفيق، فقد أعوزتهم الكفاءة و تقاعست عنه هممهم لمّا رأوا شموخ طوده الرفيع. قال ابن رشيق في العمدة: ج ١ ص ٢١١:« و لما أرادت قريش معارضة القرآن عكف فصحاؤهم الذين تعاطوا ذلك، على الباب البرّ و سلاف الخمر و لحوم الضأن و الخلوة إلى أن بلغوا مجهودهم، فلمّا سمعوا قول اللّه عزّ و جلّ:« وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي، وَ غِيضَ الْماءُ، وَ قُضِيَ الْأَمْرُ، وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ، وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ هود: ٤٤، يئسوا ممّا طمعوا فيه، و علموا أنّه ليس بكلام مخلوق». و راجع مجمع البيان: ج ٥ ص ١٤٥.