التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٧ - ثانيا الإعجاز في دراسات اللاحقين من علماء و كتاب معاصرين
هذه هي الموسيقى الداخليّة، و الموسيقى الباطنة، سرّ من أسرار المعمار القرآني، لا يشاركه فيه أيّ تركيب أدبي.
و كذلك حينما تقول: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى[١]. و حينما تتلو كلمات زكريا لربه: قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَ لَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا[٢]. أو كلمة اللّه لموسى: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى[٣] أو كلمته تعالى- و هو يتوعّد المجرمين-: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَ لا يَحْيى[٤].
كلّ عبارة بنيان موسيقي قائم بذاته ينبع فيه الموسيقى من داخل الكلمات و من ورائها و من بينها، بطريقة محيّرة لا تدري كيف تتم؟! و حينما يروي القرآن حكاية موسى بذلك الأسلوب السيمفوني المذهل:
وَ لَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَ لا تَخْشى، فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ. وَ أَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَ ما هَدى[٥] كلمات في غاية الرقّة مثل «يبسا» أو لا تخاف «دركا» بمعنى لا تخاف ادراكا. إنّ الكلمات لتذوب في يد خالقها و تصطفّ و تتراص في معمار و رصف موسيقيّ فريد، هو نسيج وحده بين كلّ ما كتب بالعربيّة سابقا و لاحقا لا شبه بينه و بين الشعر الجاهلي، و لا بينه و بين الشعر و النثر المتأخّر، و لا محاولة واحدة للتقليد حفظها لنا التأريخ، برغم كثرة الأعداء الذين أرادوا الكيد للقرآن.
في كلّ هذا الزحام تبرز العبارة القرآنية منفردة بخصائصها تماما، و كأنّها ظاهرة بلا تبرير و لا تفسير، سوى أنّ لها مصدرا آخر غير ما نعرف.
[١] طه: ٥.
[٢] مريم: ٤.
[٣] طه: ١٥.
[٤] طه: ٧٤.
[٥] طه: ٧٧- ٧٩.