التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٣ - ١ - أعشى بني قيس بن ثعلبة
و المذهّبات، و الشعراء الفرسان، و الحكماء، و الوصّافون، و الهجّاءون، و من شاكلهم ممّن كانت القبائل تهاب موقفهم و تخشى ألسنتهم الحداد، و كانوا على قدرة من تصريف الكلام.
نعم كان للشعر و الشاعرية مكانة سامية عند العرب، كانوا يهتمّون بشعرائهم كما يهتمون بقادتهم و زعمائهم في السلم و في ميادين القتال. كان الشعراء قادة الفكر و قادة السياسة و الحرب، كانوا حماة أعراضهم و حفظة آثارهم و نقلة أخبارهم. و كان شاعر القبيلة لسانها الناطق و كاتبها الرسمي (كالصحفي اليوم) في كلّ ما يتعاطونه من تبادل ثقافات و تعرّف حضارات و تدخّلات سياسية و غيرها من شئون الحياة العامّة. و الخلاصة: كان الشاعر يومذاك دعامة الحياة العربيّة في تلك الصحراء الجرداء ...
هذا ... و قد نزل القرآن مجابها بهذا النمط من الأوساط الرفيعة المقام، العالية الشأن، أصحاب حول و قوّة و بيان، فعارضهم فلم يكن منهم سوى استسلام و انقياد أو انهزام و صغار! و إليك من كبرائهم:
١- أعشى بني قيس بن ثعلبة:
اسمه ميمون بن قيس بن جندل بن بكر بن وائل من ربيعة.
هو أحد الأعلام من شعراء الجاهليّة و فحولهم. و البعض يقدّمونه على سائرهم إذا طرب كما يتقدّم امرؤ القيس إذا غضب، و النابغة إذا رهب، و زهير إذا رغب[١]. و يحتجّ المقدّمون له بكثرة طواله الجياد و تصرّفه في المديح و الهجاء و سائر فنون الشعر و الكلام ممّا ليس لسواه. و لم يكن يمدح قوما إلّا رفعهم، و لم يهج قوما إلّا وضعهم، لأنّه من أسير الناس شعرا و أعظمهم فيه حظّا[٢].
و هو صاحب معلّقة مطلعها:
[١] الأغاني: ج ٨ ص ٧٧.
[٢] العمدة لابن رشيق: ج ٢ ص ١٤٦.