التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٣ - كلمة الإمام يحيى العلوي
المعارضة مع تمكّنهم منها، لوجب أن يعلموا ذلك من أنفسهم بالضرورة، و أن يميّزوا بين أوقات المنع، و التخلية، و لو علموا ذلك لوجب أن يتذاكروا في حال هذا المعجز على جهة التعجّب، و لو تذاكروه لظهر و انتشر على حدّ التواتر، فلمّا لم يكن ذلك، دلّ على بطلان مذاهبهم في الصرفة.
لا يقال: إنّه لا نزاع في أنّ العرب كانوا عالمين بتعذّر المعارضة عليهم، و أنّ ذلك خارج عن العادة المألوفة لهم، و لكنّا نقول: من أين يلزم أنّه يجب أن يتذاكروا ذلك و يظهروه، حتّى يبلغ حدّ التواتر، بل الواجب خلاف ذلك، لأنّا نعلم حرص القوم على إبطال دعواه، و على تزييف ما جاء به من الأدلّة، فاعترافهم بهذا العجز من أبلغ الأشياء في تقرير حجّته، فكيف يمكن أن يقال بأن الحريص على اخفاء حجّة خصمه يجب عليه الاعتراف، بأبلغ الأشياء في تقرير حجّته، و هو إظهاره و إشهاره.
لأنّا نقول هذا فاسد، فإنّ المشهور فيما بين العوام، فضلا عن دهاة العرب، أن بعض من تعذّر عليه بعض ما كان مقدورا له، فإنّه لا يتمالك في إظهار هذه الأعجوبة و التحدّث بها، و لا يخفى دون هذه القضية، فضلا عنها، فكان من حقّهم أن يقولوا: إنّ كلّ واحد منّا يقدر على هذه الفصاحة، و لكن صار ذلك الآن متعذّرا علينا لأنّك سحرته عن الإتيان بمثله، فلمّا لم يقولوا ذلك دلّ على فسادها.
البرهان الثاني: لو كان الوجه في إعجازه هو الصرفة كما زعموه، لما كانوا مستعظمين لفصاحة القرآن، فلمّا ظهر منهم التعجّب لبلاغته و حسن فصاحته، كما أثر عن الوليد بن المغيرة حيث قال: إنّ أعلاه لمورق، و إنّ اسفله لمغدق، و إنّ له لطلاوة، و إنّ عليه لحلاوة، فإنّ المعلوم من حال كلّ بليغ و فصيح سمع القرآن يتلى عليه فإنّه يدهش عقله و يحيّر لبّه، و ما ذاك إلّا لما قرع مسامعهم من لطيف التأليف، و حسن مواقع التصريف في كلّ موعظة، و حكاية كلّ قصّة، فلو كان كما زعموه من الصّرفة، لكان العجب من غير ذلك، و لهذا فإنّ نبيّا