التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٨ - ٣ - إنما يعرف ذا الفضل من العلم ذووه
وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ[١] ... نظر بعضهم الى بعض حيارى مذهولين .. فقد يئسوا ممّا طمعوا فيه و عرفوا أنّه ليس بكلام مخلوق ..[٢].
و بذلك تبيّن أن لا موضع لقوله: «جميع ما شهد به الفصحاء فواقع موقعه، إذ لا تنكر مزيّة القرآن على غيره، و إنّما هي ليست ممّا تخرق العادة!» إذ شهادتهم إنّما كانت بكونه فوق مستوى البشر، و أنّه ليس من كلام المخلوقين، و كفى به دليلا على كونه معجزا خارقا للعادة، إذ لا يقصد من الإعجاز سوى كونه فوق مقدور الإنسان، هذا لا غير! قوله: و النظم لا يصحّ فيه التزايد و التفاضل ..
و لعلّه على العكس فإنّ التفاضل في النظم و الأسلوب شيء معروف، و بذلك قد فاق شعر شاعر عتيد على شعر شاعر جديد، و كان أهل الصناعة المضطلعون بالرويّ و القصيد قد فاقوا في نظمهم على المبتدئين المتكلّفين، و كان الأسلوب هو الذي أشال بهؤلاء و أطاح بهؤلاء! قال أبو عثمان الجاحظ: أجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء، سهل المخارج، فتعلم بذلك أنّه أفرغ إفراغا واحدا، و سبك سبكا واحدا، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان.
قال ابن رشيق: و إذ كان الكلام على هذا الأسلوب الذي ذكره الجاحظ لذّ سمعه، و خفّ محتمله، و قرب فهمه، و عذب النطق به، و حلى في فم سامعه.
فإذا كان متنافرا متباينا عسر حفظه، و ثقل على اللسان النطق به، و مجّته المسامع فلم يستقرّ فيها منه شيء[٣].
و أنشد الجاحظ:
[١] هود: ٤٤.
[٢] العمدة لابن رشيق: ج ١ ص ٢١١، و مجمع البيان: ج ٥ ص ١٦٥.
[٣] العمدة لابن رشيق: ج ١ ص ٢٥٧.