التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩ - ٥ - رأي الراغب الأصفهاني
الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ[١] تنبيها أن تأليفه ليس على هيئة نظم يتعاطاه البشر، فيمكن أن يزاد فيه كحال الكتب الأخر.
فإن قيل: و لم لم يبلغ بنظم القرآن الوزن الذي هو الشعر، و قد علم أن للموزون من الكلام مرتبة أعلى من مرتبة المنظوم غير الموزون، إذ كلّ موزون منظوم و ليس كلّ منظوم موزونا؟
قيل: إنما جنّب القرآن نظم الشعر و وزنه لخاصيّة في الشعر منافية للحكمة الإلهيّة، فإن القرآن هو مقر الصدق، و معدن الحق. و قصوى الشاعر: تصوير الباطل في صورة الحق، و تجاوز الحدّ في المدح و الذم دون استعمال الحق في تحرّي الصدق، حتى إن الشاعر لا يقول الصدق و لا يتحرى الحق إلّا بالعرض. و لهذا يقال: من كانت قوّته الخيالية فيه أكثر كان على قرض الشعر أقدر. و من كانت قوّته العاقلة فيه أكثر كان في قرضة أقصر. و لاجل كون الشعر مقرّ الكذب نزّه اللّه نبيّه (عليه السّلام) عنه لما كان مرشحا لصدق المقال، و واسطة بين اللّه و بين العباد، فقال تعالى: وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما يَنْبَغِي لَهُ[٢] فنفى ابتغاءه له.
و قال: وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ[٣] أي: ليس بقول كاذب. و لم يعن أن ذلك ليس بشعر فإن وزن الشعر أظهر من أن يشتبه عليهم حتى يحتاج إلى أن ينفي عنه.
و لأجل شهرة الشعر بالكذب، سمّي أصحاب البراهين و الأقيسة المؤدية في أكثر الأمر إلى البطلان و الكذب شعرية، و ما وقع في القرآن من ألفاظ متزنة فذلك بحسب ما يقع في الكلام على سبيل العرض بالاتفاق و قد تكلم الناس فيه.
و أمّا الإعجاز المتعلّق بصرف الناس عن معارضته: فظاهر أيضا إذا اعتبر، و ذلك أنه ما من صناعة و لا فعلة من الأفعال محمودة كانت أو مذمومة، الّا و بينها و بين قوم مناسبات خفية، و اتفاقات إلهية بدلالة أن الواحد يؤثر حرفة من الحرف فينشرح صدره بملابستها، و تطيعه قواه في مزاولتها فيقبلها باتساع قلب،
[١] فصلت: ٤١- ٤٢.
[٢] يس: ٦٩.
[٣] الحاقّة: ٤١.