التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٧ - ثانيا الإعجاز في دراسات اللاحقين من علماء و كتاب معاصرين
جمله من آياته سرّ الحياة الذي ينتظم المعنى بأداته. و بالجملة ترى- كما يقول الباقلاني- محاسن متوالية و بدائع تترى.
ضع يدك حيث شئت من المصحف، و عدّ ما أحصته كفّك من الكلمات عدّا، ثم أحص عدّتها من أبلغ كلام تختاره خارجا عن الدفّتين، و انظر نسبة ما حواه هذا الكلام من المعاني الى ذاك، ثم انظر كم كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدّلها من هذا الكلام دون إخلال بغرض قائله؟ و أيّ كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدّلها هناك؟ فكتاب اللّه تعالى- كما يقول ابن عطية-:
«لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب على لفظة في أن يوجد أحسن منها لم توجد».
بل هو كما وصفه تعالى كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ[١].
و ميزة اخرى تفوق بالقرآن الكريم على سائر الكلام: أنّه خطاب مع العامّة كما هو خطاب مع الخاصّة، و هاتان غايتان متباعدتان عند الناس. إنّك لو خاطبت الأذكياء بالواضح المكشوف الذي تخاطب به الأغبياء، لنزلت بالكلام الى مستوى لا يرضونه. و لو أنّك خاطبت العامّة باللّمحة و الإشارة التي تخاطب بها الخاصّة للجأتهم الى ما لا تطيقه عقولهم، فلا غنى لك- إن أردت أن تعطي كلتا الطائفتين حقّها كاملا من بيانك- أن تخاطب كلّ واحدة منهما بغير ما تخاطب الأخرى، كما تخاطب الأطفال بغير ما تخاطب به الرجال .. فأمّا أنّ جملة واحدة و تعبيرا واحدا تلقي الى العلماء و الجهلاء، و الى الأذكياء و الأغبياء، و الى السوقة و الأدباء، فيراها كلّ منهم مقدرة على مقياس عقله و على وفق حاجته، فذلك ما لا تجده- على أتمّه- إلّا في القرآن الكريم، فهو قرآن واحد يراه البلغاء اوفى كلام بلطائف التعبير، و يراه العامّة أحسن كلام و أقربه الى
[١] هود: ١.