التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٥ - اختيار أبي عثمان الجاحظ
قد أخفاها و أومأ إليها عن عرض. فقد سرد في موضع من كتاب (الحيوان) طائفة من أنواع المعجز، و ردّها في العلّة الى أنّ اللّه صرف أوهام الناس عنها و رفع ذلك القصد عن صدورهم، ثمّ عدّ منها: «ما رفع من أوهام العرب و صرف نفوسهم عن المعارضة لقرآنه بعد أن تحدّاهم الرسول بنظمه». و قد يكون استرسل بهذه العبارة، لما في نفسه من أثر استاذه، و هو شيء ينزل على حكم الملابسة، و يعتري أكثر الناس إلّا من تنبّه له أو نبّه عليه، أو هو يكون ناقلا، و لا ندري[١].
قال الجاحظ في تتمّة كلامه: و لذلك لم نجد أحدا طمع فيه، و لو طمع لتكلّفه، و لو تكلّف بعضهم ذلك فجاء بأمر فيه أدنى شبهة لعظمت القصة على الأعراب و شبه الأعراب .. فقد رأيت أصحاب مسيلمة إنّما تعلّقوا بما ألّف لهم كلاما يعلم كلّ من سمعه أنّه عدا على القرآن فسلبه و أخذ بعضه و تعاطى أن يقارنه، فكان للّه ذلك التدبير الذي لا يبلغه العباد، و لو اجتمعوا له ..[٢].
و قد ذهب الى هذا الرأي جماعة من أعلام السنّة من الأشاعرة و أهل الاعتزال، منهم أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الأسفراييني الفقيه الشافعي[٣]، و كان متكلّما أصوليا من أصحاب أبي الحسن الأشعري، (توفي سنة ٤١٨). و قد ذكر الشهرستاني عند الكلام عن الأشاعرة: أنّ من أصحاب أبي الحسن الأشعري من اعتقد أنّ الإعجاز في القرآن من جهة صرف الدواعي، و هو المنع عن المعارضة، و من جهة الإخبار عن الغيب[٤]. و قد تعرّض كلّ من ذكر النظّام قوله بالصرفة، مواكبة الأسفراييني له في هذا الرأي.
و هكذا تبع النّظام كثير من أصحابه، منهم أبو إسحاق النصيبي، و عباد بن
[١] إعجاز القرآن للرافعي: ص ١٤٧.
[٢] كتاب الحيوان: ج ٤ ص ٣١. و الدراسات: ص ٣٦٨.
[٣] قال الشريف الجرجاني: و ممّن ذهب الى هذا الرأي من أهل السنّة هو الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني.( شرح المواقف: ج ٣ ص ١١٢).
[٤] الملل و النحل: ج ١ ص ١٠٣.